الرئيسية للصفحات > في دراسة معمارية ضمن المناهج الحديثة...أشكال العمارة الإسلامية بين الثراء الحضاري والمؤثرات المعاصرة

في دراسة معمارية ضمن المناهج الحديثة...أشكال العمارة الإسلامية بين الثراء الحضاري والمؤثرات المعاصرة

محمد فوراتي : يتحدث الدكتور هاني محمد القحطاني في هذا الكتاب عن مبادئ العمارة الإسلامية وأصولها وما أصابها من الحداثة والتطوير والتأثر بمعالم العصر. والكتاب الذي صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية ويحمل عنوان "مبادئ العمارة الإسلامية وتحولاتها المعاصرة: قراءة تحليلية في الشكل" دراسة أكاديمية نادرة وموسعة تهتم بجزء هام من حضارة المسلمين التي أبدعت في العمارة وتشييد الأبنية كما أبدعت في مجالات أخرى مختلفة. يؤكد الكاتب أن العمارة الإسلامية هي التجسيد المادي الأبرز للحضارة الإسلامية، وكانت محط اهتمام الكثير من الباحثين والنقاد والمستشرقين، غير أن العمارة، التي كان يفترض أن تكون بؤرة اهتمام هذه الدراسات، بقيت تدور كما يقول الكاتب في مجال اهتمام دراسات تاريخية أو أكاديمية بحتة ضمن مناهج وأطر محددة سلفا، ولم تتم دراستها معماريا بالتفصيل ضمن مناهج معمارية حديثة تأخذ في أهدافها محاولة فهم هذه العمارة والانتقال بها إلى آفاق جديدة كلية من الفهم والممارسة. ولذلك سعى الكاتب إلى أن تكون هذه الدراسة معمارية بالأساس، وهو المهندس المعماري، بنى بحثه وهو يضع نصب عينيه أن العمارة ذات بناء ثلاثي ضمن سياقات تاريخية وجغرافية وثقافية متنوعة. الكتاب في قسمين الأول عن مبادئ العمارة الإسلامية الخمس، الاحتواء والظهور والتحول والطبقات والتكرار. والقسم الثاني عن الحداثة والمعاصرة في العمارة الإسلامية، وفيه حديث عن العمارة في العالم الإسلامي في أثناء عصر الحداثة، ونماذج معاصرة لتحولات العمارة الإسلامية، وآفاق العمارة الإسلامية المعاصرة.

مبادئ العمارة الإسلامية


يقدم الكاتب في خمسة فصول مفاهيم نظرية عن العمارة الإسلامية، وفي الفصل الأول يعرف الاحتواء بأنه توجه العمارة بأشكالها كافة نحو الداخل في تجاهل يبدو متعمدا لجميع أوجه البناء الخارجية، وسواء كان موضوع العمارة مدينة كاملة أم بناء صغيرا، فإن الاهتمام بالداخل مقدم على جميع الاهتمامات المتعقلة بعملية البناء. والاحتواء مفهوم يضرب بعمق في صميم الحضارة والثقافة الإسلاميتين كما يتجلى في الفن واللباس والتكوين الاجتماعي، وقد وجد طريقه إلى العمارة. 
أما المبدأ الثاني للعمارة وهو الظهور، فيعني عكس الاحتواء تماما، فهو تأكيد للجانب الخارجي المرئي لنسيج العمارة وهياكلها. الظهور في العمارة الإسلامية مدفوع بأسباب مكملة لتلك الفاعلة في عمارة الاحتواء، ففي نسيج المدينة الإسلامية المتشابك تأتي أفنية المساكن والميادين العامة لتكبر من حدة نسيج الاحتواء. ويضرب الكاتب مثلا على هذا النوع من العمارة بمدينة سامراء عاصمة الخلافة العباسية ومدينة فاتح بجوار دلهي عاصمة الهند.
والعنصر الثالث في العمارة الإسلامية هو التحول، وهو عملية مستمرة في تكوين العمارة، ويتخذ من الزمن بعدا له. وقد عرفت العمارة الإسلامية عبر تاريخها الطويل صورا كثيرة من التحول يصعب الإحاطة بتفاصيله كلها. ويمكن تصور العمارة الإسلامية على أنها عملية تحول عضوي طويل الأمد لأشكال معمارية ما لبثت أن انصهرت، بتأثير من الإسلام، في بوتقة ثقافية واحدة.
في الفصل الرابع يتناول الكاتب مفهوم الطبقات، التي هي مجمل اللبنات التي تتكون منها العمارة الإسلامية، احتواء كانت أم ظهورا. ففي عمارة الاحتواء تتكون المدينة من طبقات متراتبة من الفراغات ذات الأحجام المختلفة، بدءا بساحات المدينة وصولا إلى الفراغ الخاص بكل فرد على حدة، وما يقال عن الفراغ ينطبق أيضا على العناصر المكونة للفراغ، من جدران وأسقف وأرضيات، وما يصاحبها من عناصر أثاث أو عناصر زخرفية أو إنشائية، أو غير ذلك. وتتأثر الطبقات بتضاريس المدينة وتوجهها نحو الشمس وبكثافتها السكانية، وهنا تختلف طبقات كل مدينة عن الأخرى، وهو ما ينتج عنه بالتالي اختلاف الأشكال العامة للمدن الإسلامية لاختلاف الطبقات في تكوين المدينة الإسلامية. القاهرة مثلا من الناحية التاريخية هي تركم لطبقات من البناء تركت آثارها في النسيج العمراني للمدينة بدءا بالفتح الإسلامي وصولا إلى العصر العثماني. كما يجسد الجامع الأزهر بحدّ ذاته مفهوم الطبقات في عمارة هياكل المدينة. وتجسد المدن التاريخية في مشرق العالم الإسلامي ومغربه، مثل دمشق وحلب وفاس والقيروان وصنعاء وأصفهان وسمرقند وغيرها الكثير، مفهوم الطبقات كل بطريقته الخاصة وفي سياقه الخاص.
وفي الفصل الأخير يتناول الدكتور هاني محمد القحطاني مفهوم التكرار، وهو المرادف العددي للطبقات الذي يشكل في مجمله الشكلي النهائي للمدن والهياكل الإسلامية. بهذا المعنى فإن التكرار هو البعد الحسابي في عملية البناء. والمدينة الإسلامية في شكلها النهائي هي تكرار عددي للبيوت المتلاصقة جنبا إلى جنب بأفنيتها المفتوحة، ويبقى الفارق بين مدينة وأخرى عائدا إلى حجم المدينة وكثافتها السكانية وطبوغرافيتها. 


العمارة الإسلامية في عصر الحداثة

يؤكد الباحث أن هذه المبادئ الخمسة ترسي الأسس العريضة لأشكال العمارة كما عرفت تاريخيا وجغرافيا. وقد ظلت تمارس دورها عدة قرون، إلى أن بدأت أقطار الوطن العربي والعالم الإسلامي الاحتكاك بالغرب، كل في سياقه التاريخي والجغرافي الخاص به. عندها بدأت العمارة الإسلامية كأشكال ومواضيع، تتغير شيئا فشيئا إلى أن فقدت خصائصها وسماتها التي عرفت بها، وأصبح الحديث عن العمارة الإسلامية حديثا عن الماضي. ويضيف في الفصل السادس أن المتغيرات التي مرت بها دول العالم الإسلامي كانت من الضخامة بحيث لم تعد العمارة الإسلامية، كأشكال وبنى اجتماعية واقتصادية وثقافية مصاحبة لها، قادرة على الصمود أمام هذه المتغيرات. ويتناول الكاتب انطلاقا من هذه القناعة أهم المفاصل التاريخية والجغرافية والسياسية التي شكلت بصورة أو بأخرى المشهد العمراني للعالم الإسلامي اليوم، متبعا الخطوط التالية: هاجس الهوية الدولة مقابل الأمة ( تركيا مثالا)، الدولة القطرية كمشروع وطني: مصر والشام مثالا، النفط ودوره في إعادة تكوين الدولة والمجتمع ( أقطار الخليج مثالا)، ولقاء العروبة بالأوربة ( شمال إفريقيا والمغرب العربي).
كما يحاول الكاتب في فصله السابع أن يحلل واقع العمارة الإسلامية بفعل الزمن والمتغيرات والتأثيرات الجغرافية اعتمادا على المبادئ الخمسة، ولكن أيضا تماشيا مع المتغيرات الظاهرة في بعض المدن العربية مثل الرياض والدار البيضاء والهند وتونس والكويت وغيرها من المدن العربية. ويدعم الكاتب تحليله واستنتاجاته بالعديد من الصور التي اختارها بعناية من كل أرجاء العالم الإسلامي.
يحاول الكاتب في فصله الأخير الإجابة على بعض الأسئلة المهمة حول إشكاليات العمارة مثل: ما الفائدة من دراسة الشكل في العمارة الإسلامية، وهل أن العمارة الإسلامية قادرة على المساهمة في حل مشكلات البناء والتحضر في العالم الإسلامي، وهل دراسة العمارة الإسلامية هي فقط مهمة أكاديمية لا تتجاوز حدود التنظير خلف أسوار الجامعات؟
الكتاب هام لكل دارسي التراث وأشكال العمارة الإسلامية وهو دراسة ضرورية للمختصين لأنه صادر عن أحدهم ممن قضى عمره في الهندسة المعمارية والبحث في أشكال العمارة الإسلامية، وهو لا غنى عنه لكل المثقفين حتى يتعرفوا على جانب هام من حضارتهم، فالعمارة كما يقول الكاتب: هي أم الفنون، بل هي في كثير من تجلياتها متاحف فنية بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

 

أبحاث, تاريخ, نظريات

أخر تحديث فى منذ 162 يوم بواسطة إدارة الموقع