مفهوم الحفاظ العمراني المستدام - بــُـنــاة

مقالات فى العمران

مفهوم الحفاظ العمراني المستدام

بقلم  | 

يجانب الكثير من المعماريين والباحثين غير المتخصصين الحقيقة عند حصر مفهوم الحفاظ العمراني المستدام (Conservation) على أنه عملية الإبقاء على الممتلكات والعناصر المعمارية والتراثية فحسب مع السعي لمد وإطالة عمرها الفيزياوي أو اقتناءها كتذكار للمنجزات الإنسانية البنائية والتي تعود إلى فترة زمنية سابقة، إذ انه ومع ظهور فكرة الحفاظ على المباني الأثرية والتراثية بالشكل المعروف في القرنين الثامن والتاسع عشر، تبنى المعماريون مبدأ الترميم (Restoration) في تلك الفترة بشكل عام كآلية لصيانة وحفظ هذه المباني، بيد انه ومع تطور المفاهيم في حقل الحفاظ تحول هذا المفهوم تدريجيا إلى مفهوم الحفاظ المستدام ليشمل عملية الإبقاء وصون المنشأ جنبا إلى جنب مع الأخذ بنظر الاعتبار إدراك القيم المتعلقة به وعلاقته بنسيجه الحضري وخصائص مجتمعه المتواجد ضمنه وارتباطاته به.

التحول من مقصد الحفاظ على مبنى منفرد إلى مجموعة مباني أو نسيج حضري

التحول من مقصد الحفاظ على مبنى منفرد إلى مجموعة مباني أو نسيج حضري

خلال السنوات الثلاثين الماضية، بدأ مفهوم الحفاظ على التراث المعماري والعمراني (Built Heritage) بالتحول تدريجيا من تضمنه بشكل أساسي هدف حماية المباني التاريخية النصبية أو المنفردة، إلى عملية إدراك وتقدير شاملة للبيئة الحضرية المبنية والتي بالإضافة إلى عملية المحافظة على المباني التاريخية عادة ما تتضمن جوانب أخرى كالمحافظة على مجموعة مباني تقليدية متميزة، نسيج حضري تراثي، نسق أو نمط معماري معين لزقاق آو شارع تراثي، علاقات عمرانية حيزية بين المنشآت والفضاءات الخارجية المتاخمة لها.

الحفاظ العمراني للمسارات التراثية ضمن البيئة الحضرية

الحفاظ العمراني للمسارات التراثية ضمن البيئة الحضرية

يعود هذا التحول بشكل رئيسي إلى اختفاء وإزالة الكثير من المباني التقليدية والنسيج الحضري التراثي خلال العقود الماضية بسبب الحروب وعمليات التجديد الحضري وتنفيذ مشاريع البنى التحتية وشق الشوارع وغيرها من آليات التدخل، وبهذا التغيير تستلزم عملية الحفاظ العمراني حاليا مجموعة من المتطلبات والمعايير التي لم تكن تؤخذ بنظر الاعتبار سابقا، ومنها مثلا مشاركة المجتمع المحلي من الساكنين والمستخدمين في صنع القرار، وضرورة عملية التقاطع البنّاء بين التراث والبيئة والمجتمع، والاهتمام بمبادئ الاستدامة لحماية الموارد البشرية والطبيعية.

لقد تطورت عملية الحفاظ وتحولت من عمليات تفاعلية انعكاسية تعتمد التركيز على تجنب التغيير في البنية التاريخية، إلى عمليات مرنة متكيفة تساهم في مساعدة المجتمع على فهم وإدراك بيئته التاريخية ومن ثم للسيطرة وإدارة عملية التحول والتغيير بأفضل طريقة ووسيلة متوفرة. ومن هنا فان عملية الحفاظ لم تعد تقتصر على تدخلات العمل الفيزياوية، إذ تعد مثلا عمليات تفسير وتعيين الاستعمال المستدام للمكان واتخاذ القرار بإعادة الاستخدام المناسب للمبنى التراثي أو الموقع التاريخي أفضل آلية للحفاظ عليه وحمايته.

fiqure-3
تتضمن عملية الحفاظ العمراني سياسات واليات متعددة ومختلفة تقوم أساسا على اتخاذ القرار حول مستوى التدخل العملي على المنشأ المعني، عليه فان مستويات التدخل تتفاوت فيما بينها اعتمادا على مقدار التغيير والتحول المطلوب تنفيذه على المنشأ الأصل، والذي غالبا ما يفضل مستوى الأدنى للتدخل المطلوب والضروري لتقليص مدى التغيير والتعديل على عناصر المنشأ الأصلي.

وتنقسم سياسات الحفاظ بشكل رئيسي إلى قسمين هما الحفاظ الوقائي (Preventive) والحفاظ العلاجي (Curative):

الحفاظ الوقائي Preventive Conservation: ويسمى أيضا الحفاظ غير المباشر، ويتضمن جميع العمليات الوقائية والإستباقية والتي تحول دون أو تؤخر من عمليات تدهور واندثار المبنى التاريخي، وتتضمن كذلك الفعاليات غير المباشرة وغير المؤثرة فيزياويا وفعليا على حالة المنشأ، وتتضمن مثلا إجراءات التوثيق والتسجيل والفحوصات والمسوحات الدورية للمنشأ وعمليات السيطرة على المناخ المصغر وتحديد تأثيرات التلوث والاهتزازات الموقعية، وكذلك الإجراءات التصميمية ضد الزلازل، والتخطيط لسياسات رفع شأن وقيمة المبنى تراثيا واقتصاديا، وعمليات تبادل المعلومات البنائية والوصفية وإدارتها بين الجهات ذات العلاقة وغيرها.

أما الحفاظ العلاجي Curative Conservation: ويسمى أيضا الحفاظ المباشر، فيشمل التدخلات الفعالة بالمستويات التالية (ذكرا لا حصرا) ابتداء من الأقل إلى الأعلى تدخلا وتأثيرا على القيمة التاريخية للمنشأ:

  • الحماية Protection: تشمل جميع إجراءات الصيانة والتدخلات البسيطة التي تساهم في حماية المبنى وتأخير سرعة تدني مستواه الهندسي والوظيفي الحالي. وتشمل مثلا عمليات التنظيف وإعادة الطلاء وإزالة النباتات الملتصقة بالمنشأ ومكافحة القوارض والحشرات المؤذية.
الحماية Protection

الحماية Protection

 

  • الحفظ Preservation: المحافظة على المبنى وصيانته على الصورة الحالية له ومنع وتقليل تأثير عوامل تدهوره واندثاره وحمايته من الأضرار المستقبلية المتوقعة. ويتضمن أعمال التجديد والإصلاح لجميع الأضرار الناتجة من العوامل المؤثرة على المبنى وذلك من أجل المحافظة على قيمته التاريخية والمعمارية كما هي.
الحفظ Preservation

الحفظ Preservation

 

  • التدعيم الإنشائي Consolidation: تقوية وتعزيز الهيكل الإنشائي للمبنى التراثي من خلال الإضافة الفيزياوية للمواد الساندة والداعمة لغرض التأكد من استمرارية متانة وسلامة الهيكل، وللحيلولة دون تدهور حالته الإنشائية التي تؤدي إلى زوال المنشأ أو سقوطه، دون التأثير على قيمة العناصر التاريخية أو التراثية.
التدعيم الإنشائي Consolidation

التدعيم الإنشائي Consolidation

 

  • الترميم والاستعادة Restoration: عملية الإحياء والمحافظة على المبنى كما هو وأعادته إلى وضعه الأصلي الذي كان عليه عند الإنشاء أو لفترة زمنية محددة سابقة، وتتضمن مثلا أعمال إزالة العناصر الدخيلة وأعمال التنظيف وأعمال استبدال القطع المتهرئة بأخرى جديدة على أن يتم تمييزها عن مثيلاتها القديمة. ويتضمن أيضا سياسة إعادة التجميع Anastylosis ، وهي إعادة تركيب المنشأ المندثر من خلال إعادة تجميع قطعه المتناثرة (الحجرية خاصة) وبالدمج مع مواد جديدة عند الضرورة فقط وعلى أساس أدلة ووثائق تاريخية حقيقية ومعتبرة.
الترميم والاستعادة Restoration

الترميم والاستعادة Restoration

 

  • إعادة التأهيل Rehabilitation: وتتضمن جميع الإجراءات والتدخلات التي تهدف إلى إعادة إحياء المبنى وظيفيا سواء بنفس الوظيفة السابقة أو أية وظيفة مناسبة ومتوافقة مع وظيفة المنشأ التاريخي الأصلية، وذلك من خلال إجراء التعديلات والتغييرات والتحسينات والإضافات الضرورية Alteration, Addition & Modification)) والمطلوبة لتبني الوظيفة المقترحة، وحسب دراسات مستفيضة وشاملة ودن التأثير على قيم وحالة عناصر المنشأ المختلفة.
إعادة التأهيل Rehabilitation

إعادة التأهيل Rehabilitation

 

وتتضمن هذه السياسة إعادة الاستخدام التكيفي Adaptive Reuse ، والذي يهدف إلى تبني وظيفة ملائمة ومناسبة جديدة للموقع أو المنشأ التاريخي تعمل على تعزيز قيمه الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

إعادة الاستخدام التكيفي Adaptive Reuse

إعادة الاستخدام التكيفي Adaptive Reuse

  • الاستنساخ وإعادة الإنتاج Replication & Reproduction : عملية تصنيع نسخة (أو نسخ) طبق الأصل لعنصر أو جزء من مبنى تاريخي وذلك لتضرره أو لوجود تهديد بيئي في حال بقاءه ضمن موقعه، فيتم استبداله بعنصر مصنع طبق الأصل يحل محله، للحفاظ على وحدة موضوع المبنى أو الموقع ، مع الاحتفاظ بالأصل ضمن بيئة محمية كالمتاحف مثلا.
الاستنساخ وإعادة الإنتاج Replication & Reproduction

الاستنساخ وإعادة الإنتاج Replication & Reproduction

 

  • إعادة الإنشاء Reconstruction: عملية إعادة بناء عنصر أو مبنى تاريخي هدم أو اندثر نتيجة الكوارث الطبيعية أو الحروب وباستخدام مواد حديثة اعتمادا على وثائق حقيقية معتبرة. وتتضمن أيضا عملية إعادة إنشاء مبنى تاريخي ونقله من موقعه الأصلي إلى موقع آخر بهدف حمايته من خطر وتهديد العوامل الطبيعية والبيئية المحدقة به. كما ويستخدم حاليا هذا المصطلح في إعادة إنشاء المواقع التاريخية والمباني التراثية رقميا عبر إعادة تمثيلها من خلال استخدام برمجيات النمذجة والتجسيم وتكوين فضاء وبيئة الواقع الافتراضي.
اليمين || إعادة إنشاء المباني التراثية بعد تعرضها للهدم والتدمير, على اليسار || إعادة إنشاء البيئة الحضرية عن طريق الواقع الافتراضي

اليمين || إعادة إنشاء المباني التراثية بعد تعرضها للهدم والتدمير, على اليسار || إعادة إنشاء البيئة الحضرية عن طريق الواقع الافتراضي

كما وتشمل آليات الحفاظ سياسات ودرجات تدخل أخرى غالبا ما تشترك فيما سبق ذكره في الخصائص ومستويات العمل أو قد تندرج ضمن مستويات ثانوية للسياسات أعلاه، كسياسات التجديدRenewal والصقل Refurbishment والإصلاحRenovation والاحتفاظ Retention وإعادة الأحياء Revitalization والاسترجاع Retrieving والاستبدال Replacement وإعادة التمثيل Representation وإعادة التطوير Redevelopment.

إعادة بناء المباني رقميا باستخدام تقنيات المسح الحديثة

إعادة بناء المباني رقميا باستخدام تقنيات المسح الحديثة

بناء على ما ذكر أعلاه، فان حقيقة مفهوم الحفاظ المستدام حاليا لا يقتصر – كما هو متعارف عليه خطأ – على المواقع الأثرية والمباني التاريخية المنفردة فقط، بل عادة ما توظف آليات الحفاظ المختلفة لحماية وصيانة جميع المباني المشيدة سواء التاريخية منها أو التقليدية أو الحديثة، وهي لا تبدأ مباشرة بعد انتهاء عمليات تنفيذ المشروع والمباشرة في استخدامه فحسب، بل تبدأ عند تاريخ وضع المخططات الأولية له من خلال توظيف جوانب الحفاظ الوقائي، من خلال استخدام تقنيات نمذجة معلومات البناء مثلا (BIM) وغيرها، والتهيئة لفعاليات الحفاظ العلاجي كإجراءات الصيانة والفحص الدوري للاستعداد لأية مشكلة مستقبلية متوقعة الحدوث، ولتحديد جدول زمني لإجراء تدخلات الصيانة المطلوبة أو التدخلات العلاجية الأخرى بهدف إطالة العمر الفيزياوي والوظيفي للمبنى المعني، فليس بالضرورة أن يكون المبنى ذا قيمة تاريخية ليتم الحفاظ عليه بأسلوب الإبقاء سالف الذكر، ولكن بهدف حماية الموارد اقتصاديا والنسيج الحضري بيئيا وخصائص المجتمع ثقافيا والتي تستلزم عادة التوجه نحو سياسات الحفاظ المستدام المختلفة.

fiqure-13

د. عماد هاني العلاف

– دكتوراة في تكنولوجيات إستغلال التراث الثقافي.
– أستاذ محاضر في قسم العمارة كلية الهندسة، جامعة الموصل – العراق.

شارك في النقاش:

Loading Disqus Comments ...
Loading Facebook Comments ...