في البحث عن رموز المدن العراقية وعلاماتها - بــُـنــاة

مقالات فى العمران

في البحث عن رموز المدن العراقية وعلاماتها

بقلم  | 

حسن علاء الدين- القدس العربي – بغداد:

أول ما تدخل لمدينة أوسلو، العاصمة النرويجية، تواجهك ساحة كبيرة وضِع في وسطها نصب كبير لـ ‘نمر’ كرمز للمدينة، وهو يعبّر عن القوة والهيمنة التي سعت أوسلو عبر تاريخها لفرضها على الغرب الأوروبي، على الرغم من وقوعها تحت الاحتلال طوال عقود كثيرة، إلا أن هذا الحلم تمثل بنصب يمثل آمال الشعب التي لم تتحقق. وفي الوقت نفسه نجد أن لكل مدينة نرويجية رمزاً يمثلها، رسم كـ(لوغو) يوضع على الكتب الرسمية والباجات والهويات والطوابع. وهذا الأمر ينسحب على جميع مدن العالم، فبعد قراءة تاريخ تلك المدينة فكرياً وثقافياً وسياسياً يصمم (لوغو) يعبّر عنها، وتعرف به من دون الحاجة لذكر اسم المدينة أو مفتاحها الدولي.

إلا أننا، في العراق، نملك من الرموز ما لا يعد ولا يحصى، ومع هذا لم نفكر أن نضع لكل مدينة رمزاً يمثلها، ويمثلنا أيضاً، فبمجرد أن تضع على كتاب رسمي زقورة أور، على سبيل المثال، لا يمكن أن تأتي على بالك سوى مدينة الناصرية، وإذا وضعنا الملوية، حتماً ستكون سامراء، ولا نتخيل أن مدينة تحمل البرتقال غير بعقوبة وبهرز.. هذه أمثلة بسيطة ومفتوحة للنقاش، وربما يبرز رأي يقنعنا بأن هناك رموزاً غير ظاهرة في مدننا، لكنها تمثلها خير تمثيل.

ثقافية ‘القدس العربي’ حاولت وضع طاولة مستديرة لمناقشة آراء فنانين وأدباء وباحثين وأكاديميين للخروج بنتائج يمكن أن نبني من خلالها نظاماً علاماتياً للمدن العراقية:

علامات افتراضية

الفنان التشكيلي ياسين وامي يشير إلى أن الرموز والعلامات تعريف بالمدن وإشارة اختصار لعالمها وحضورها الكثيف في الذاكرة، يسعى الإنسان لتأكيدها بوصفها ضرورة تتعلق بماهية وجوده وقدرته على اثراء الحياة ونمذجتها بالصورة الأبلغ والأقدر على التفاعل والاستمرار وهي حاجة جماهيرية تتخذ بعدا تعريفيا وتوكيدا تاريخيا لفعل الانسان في الذاكرة الجمعية وسعيه لتأصيل صورة المكان في مشهد الوطن الواسع.

في العراق وبفعل أسباب تاريخية عديدة ومشكلات حضارية أساسية دفعت المدن العراقية لتتشكل اعتباطيا في الغالب دون خطة مسبقة أو خريطة احترافية او خيال خلاق لنكون فيما بعد تحت طائل امكنة منعدمة النضج مشوهة المعمار بعيدة عن التوصيف كمدن تتشبع بهذا المسمى.

ويضيف وامي، أن المدن التي تشكلت بالصدفة أو بالخطأ واستمرت لتلبي حاجة الزخم البشري للامتداد بفعل الضغط السكاني وانفجاره العبثي، فضلا عن ترييف المدن وتماهي صورتها مع القرية ووصول الاثنين معا في النهاية الى المكان الممسوخ عن صفته لا يمكن ان ينتج صورة رمزية للمكان أو علامة تشير إليه.

مفترضاً المدن العراقية في طورها للانقراض الرمزي في مشهد تناسلها غير المنظم وامتدادها الارتجالي، وهي بالتالي تفقد هويتها الأولى وتتجه لفقدان أي صورة احتفائية اخرى.

ويبني وامي رأيه على الرموز والعلامات للمدن حلقات وصل أساسية في رسم صورة وطن في خيال أبنائه، تأكيد هذه العلامات واغنائها ثقافيا يشكل ضرورة للأجيال في حاجتها لمعرفة صورتها الرمزية عبر الزمن والحفاظ على فاعليتها في الوجود الواقعي والذهني.

المدن الحقيقية، برأي وامي، وبفعل خصوبتها الانتاجية تقترح صورا ورموزا وعلامات جديدة مع حاجة الجيل الجديد دائما الى ترك بصمته في جدار التاريخ الواسع. لا بد من إدراك الدور الكبير الذي يوليه العالم المتحضر الى الرمز والصورة والإيقونة بوصفها علامات استقطاب وتأثير حضاري يعكس قوة الانسان وفاعلية حراكه وسعة انتشاره. وبغياب الانسان والمدينة كقيمتين متفاعلتين في انتاج الثقافة والمعنى في الواقع العراقي، يفترض كل منا علامته على المكان كما يراه في صورته الراهنة أو كما هو باقٍ في ذاكرته الشخصية.

إعادة إنتاج الثقافة

يتساءل نزار الراوي في في بداية طرحه لهذا الموضوع: هل تملك المدن العراقي رموزا خاصة بها، تحمل هويتها، وتكون أشبه بالعلامة التي تميز مدينة عن سواها؟ وفي إجابته عن هذا التساؤل يقول إننا نعلم أن انتماء الناس إلى تلك المُدن هو في الأصل جوهر الانتماء الوطني بالنسبة للفرد، ولا يخفى على أحد ما نواجه من أزمات مركبة فيما يخص اعادة انتاج الهوية الوطنية للشعب العراقي، خصوصاً بعدما زحفت فكرة الانتماء لدى الفرد العراقي من مركزية العقيدة الوطنية التي بدأت بالتبلور منذ عشرينات القرن الماضي مع نشوء الدولة العراقية الحديثة إلى هامش العقيدة الدينة التي وضعته أمام مفترق تفسيرات مذهبية شتى لتلك العقيدة، مما أدى إلى ارباك حقيقي قاد في كثير من الأحيان إلى صدامات كنا في غنى عنها لو أن الانتماء للمكان المشترك كان أقوى وأكثر وضوحاً من التبعية للصيغ الفكرية التي لا وطن لها.

ويضيف أن هذا العمل (منح المدن رموزاً وعلامات) قد يكون محفوفاً بالمزالق إذا ما تم على نحو عفوي أو متسرع، ففي ميدان العلوم التصميمية ‘نعتقد أن هذه الرموز ينبغي أن تستولد عن طريق اتباع خطوات عديدة تبدأ بوضع ستراتيجية متكاملة لبحث فكري- بصري يؤدي إلى تطبيقات عالية الدقة والحصافة تفضي إلى منح المدينة شكلها الرمزي الذي يترفع بها إلى المستوى الأيقوني’.

أما عن المدن العراقية فيؤكد الراوي أنها جميعاً تمتلك خصوصياتٍ تاريخية وعُمرانية وثقافية وبيئية هائلة التنوع والغنى، وهذه الخصوصيات بتعدد مرجعياتها وطبائعها نعدها في علم الاشارة مصدراً عظيماً لاستلال الرموز والعلامات، ما يعني أننا إذ نفتح هذا الباب فأننا نضع أنفسنا أمام خيارات لا حصر لها من الأشكال القابلة للتطوير التصميمي، ‘يبقى أن نختبر التقبل الجماهيري والمعقولية الثقافية لدلالات الرمز وايحاءاته المباشرة والثانوية ومدى انفتاحه على التأويل الأنسب، ومن ثم نجري عليه عمليات الانتاج الفني لتحويلة إلى رمز يُعتد به من قبل الناس ويحوز على اعجابهم وتعاطفهم فيستقر شيئاً فشيئاً في ضميرهم الجمعي’.

ويعطي الراوي مثالاً على هذه الرموز كالوفرة النسبية للمشيدات التاريخية والمعالم العُمرانية الأثرية التي يمكن أن يُعاد انتاجها تصميمياً لتمنحنا علامات في منتهى التميز والفاعلية البصرية، كذلك الثراء في المعالم والمعطيات الطبيعية على طول الخارطة الجغرافية للعراق وعرضها، وما ينتج عنه من تنوع بيئي واسع تسببه تباينات واضحة في التضاريس ومستويات الارتفاع عن سطح البحر وعدد وحجم وشكل الأنهار والمسطحات المائية، يرافقها تنوع كبير بأنواع النباتات (سواء كانت منتجات زراعية أونباتات طبيعية)، والحيوانات الداجنة والبرية، وحتى بعض أنواع الحشرات التي يمتلك الكثير منها حيزاً في الثقافات المحلية والموروث الثقافي الشفاهي لتلك المدن، وهذا ما يطلق عليه علمياً التنوع الحيوي (Biodiversity) الذي تزخر به البيئة الطبيعية العراقية.

كما يعد الرواي التنوع الثقافي والاجتماعي الذي تمتلكه المدن العراقية واحداً من أهم المصادر للرموز الشكلية التي قد يصلح الكثير منها للعمل عليه كمادة أولية لاشتقاق العلامة أو الرمز، وينفتح هذا المصدر على اختلاف الانتماءات الدينية والعرقية والمذهبية للكتل البشرية التي تسكن تلك المدن، كذلك يعتمد كثيراً على الأساليب والأنماط المعيشية وأهم الأنشطة الاقتصادية التي يمارسونها، وما تلقي به هذه الأنشطة وتلك الانتماءات من ظلال واضحة على أدوات ومعدات العمل والأزياء وبعض الحاجات والكماليات التي ينتشر استعمالها في تلك المدن.

البصرة وعلاماتها

لكن الشاعر ثامر سعيد يؤكد أن اختيار رمز لكل مدينة عراقية عملية سهلة جداً وصعبة جداً في الوقت عينه، ‘فليس لهم قلوب يفقهون بها وليس لهم عيون يبصرون بها مَن لم يروا أو يميزوا رموز وعلامات المدن العراقية (التاريخية، الأدبية، العمرانية، الفنية، الاجتماعية، الطبيعية…)، فهي بلا عدد فتُعد وبلا حدود فتُحد، من هنا تأتي سهولة الإشارة إليها ومن هنا أيضاً تأتي صعوبة أن نختار علامة (لوغو) لأيّ منها’. ويضيف سعيد أنه جاز له الحديث عن مدينته البصرة مثلا واختار لها رمزاً ما و’لنقل: النخلة، فسيكون هذا الرمز أقل تألقاً إذا ما مررنا بنخل السماوة أو كربلاء، وإذا اخترنا النار (نار النفط) مثلا آخر باعتبارها أكبر مدينة منتجة له، وهي الأفقر من حيث الفائدة من مخرجاته، فتحضر أمامنا كركوك أو ميسان الواعدة فيبهت هذا الرمز أيضا، وإذا اخترنا اللغة فلا بد لنا أن نتذكر الكوفة’، وينتهي الأمر بسعيد ليختار الميناء أو البحر كانفتاح لا متناهٍ تجاه ثقافات العالم (تجارة، أدب، حكايات، فنون، أساطير) فقد ‘أوفق بالفرادة العراقية كرمز لها’.

المدن العراقية لها رموزها ونستطيع أن نؤسس نظاماً لهذه الرموز بلا شك: الموصل بأديرتها وحدبائها، النجف بكوفتها وقبابها، الناصرية بزقورتها وأهوارها، الحلة بمسلاتها وباب عشتارها، أربيل بقلعتها وجبالها، بغداد بدجلتها ومستنصريتها ورصافتها، سامراء بملويتها وسردابها، السماوة بنخلها وبحيرتها العجيبة، بعقوبة ببرتقالها و.. و.. و.. ‘لكني إذا ذكرت كلّ هذا أين سأضع الجواهري والرصافي ومصطفى جواد والحبوبي وجمال الدين والسياب والبريكان، القبانجي وحسين نعمة وصديقة الملاية وجوهر العبد وناظم الغزالي والعمارتلي وسعدون جابر وحضيري أبو عزيز، وأين سأضع جواد سليم ومحمد غني حكمت واللعيبي ونداء كاظم والكثير سواهم؟ أليسوا هم رموزا.. علامات..؟ ألم أقل إنها إجابة سهلة صعبة؟’.

المكان الروائي

يبني الدكتور عقيل عبد الحسين تصوره على بناء نظام علاماتي في العراقي من خلال قراءته للرواية العراقية، مشيراً إلى أن المدينة العراقية تعاني من امِّحاء ملامح الهوية الأصلية للمكان، ربما بسبب طبيعة العراق، ولذا فهي مدينة بلا شواهد. وهذا يعني أنها تعتمد على الكتابة، وعلى المثقفين والأدباء. وهؤلاء في الغالب ينتمون ثقافيا إلى مدن الجذب تلك التي تحتفظ بملامحها القديمة، كالقاهرة، وتملك عدداً من الكتاب الذين يكتبون عنها، ويستوحون شواهدها في تشييد ذاكرة أدبية وثقافية مؤثرة.

ويضيف عبد الحسين أن أكثر الكتاب يلجأون، وتحديدا كتاب الرواية، وهو الفن الادبي الأكثر قدرة على تمثل المكان، وتمثيله، أو الإحاطة به، والإستفادة منه فنيا ودلاليا وثقافيا، إلى الأحداث، وخاصة مع الموجة الروائية التي اتسعت في العقد الأول من القرن العشرين، مستغلين ما تعرض له العراق والمدينة العراقية من أحداث سياسية تركت أثراً على التركيبة الثقافية والاجتماعية العراقية، مضحين بالمكان في الغالب، محولينه إلى مكان افتراضي. فقلَّ أن تجد للمكان أثراً، أو حضوراً فعلياً، في روايات على بدر، وكذلك عند روائيين آخرين كإنعام كجه جي وبتول الخضيري وصولا الى سنان انطوان.. وجميعهم يناقشون الحدث ثقافيا او انسانيا. و’مع هذه الموجة استطيع ان اضيف ان معظم النتاج الروائي صار يكتب من المنفى. والمنفى اصلا علاقة شاحبة بالمكان، وفي افضل الاحوال عاطفية’.
ويؤكد عبد الحسين أن بناء نظام علاماتي خاص بالمدن العراقية، مهمة الكتاب وخاصة الروائيين والمفكرين، وعلى هؤلاء أن يعتمدوا على قدراتهم الصوغية في إقامة ذاكرة تجمع بين الاختلاق والاستفادة من كتب التاريخ والتراث والرحلات، كما فعل مثلا محمد خضير في كتابه عن البصرة. وفي المدى المنظور لا أرى مثل هذا الامر ممكناً في ضوء انشغال الثقافة والأدب العراقيين بالراهن، وفي ظل طغيان السؤال عن هوية الانسان في العراق. وهو سؤال، كما يبدو، أكثر إلحاحا على العقل العراقي الآن من أية أسئلة أخرى مهما كانت مهمة. ومنها هوية المكان!

وترك عبد الحسين مفهوم العلامة في المدن العراقية مرهوناً بالبناء الثقافي العراقي، لأن هذا البناء هو الذي يشكل علامة المدينة، مهما كان بعدها الإنساني أو التاريخي.

البحث عن الرموز

في حين ترى الشاعرة والتشكيلية رنا جعفر ياسين أن للرمز في المدينة مدلولات كثيرة، بصرية وسمعية، تختصر جوانب وجدانية ومادية مرتبطة بمفردات كل مدينة، وربما قد تتعدى تلك المدلولات البصرية والسمعية إلى الشم والتذوق. وترى ياسين غياباً واضحاً لتلك المدلولات التي خلقت الرموز لتلك المدن في الماضي، إذ كانت كل مدينة تشكيلة متحدة من الرموز تصنع هوية المدينة وتعبر عنها وتقدمها بكل معطياتها، وهذا ما يؤلم فعلاً.. إذ كنا نمتلك تنوعاً هائلاً في الرموز لكل مدينة عراقية جعلتها كياناً قائما بذاته في ميراثها الانساني الشامل لجوانب كثيرة في حياتها، بدءاً من أنماط الحياة المتنوعة التي رسخت لها البيئات المختلفة للمدن والتي شوهدت ملامحها واضحة وجلية في عمارة تلك المدن سابقا وبما يتلاءم مع تقاليدها ومناخها ومواد البناء التي وفرتها الطبيعة لذلك المكان، الى المفردات الشفاهية المتداولة والخاضعة للتغيير على مر العقود والتي ولدت تراثاً شفاهياً غالباً ومكتوباً في أحيان اخرى، عكس تأثيراته على أدب كل مدينة وانعكست تأثيراته ايضا على الايقاعات الموسيقية والغناء والرقص.. ‘كما وأن البيئة المحيطة في المدينة من طبيعة الارض وتضاريسها ووفرة المياه ونوعها ومناخها منحت المدن خصوصية أخرى في رائحة المكان ومأكولاته أيضاً. وتضيف ياسين أن علينا ألا نغفل تاريخَ أغلب المدن وارتباطه بحضارات العراق القديمة وتأثيرات تلك الحضارات وآثارها على نسيج المدن وطباع سكانها وتعاملهم مع هذا الارث.

ياسين تشير إلى أن المدن العراقية حظيت بكل تلك التنوعات التي منحتها خصوصية، لكن اليوم ومع تداعيات الحياة في العراق نكاد لا نلمس تلك الرموز وكأنها ضاعت في لجة اليوميات الصعبة التي تعيشها تلك المدن، فغابت تلك الهوية وصار من الصعب الحفاظ عليها.

وتؤكد رنا جعفر ياسين أننا لا نحتاج الى أن نبني نظاما علاماتيا للمدن العراقية فقط، بل نحتاج الى تنظيمه لأنه موجود فعلاً، وتنظيمه يحتاج الى جهود كبيرة لأحياء تلك الرموز التي خلقت هوية تلك المدن وتوثيقها، وحتى لا تتحول مدننا الى نسخ عمرانية مكررة عن بعضها البعض لا تسد إلا رمق المعيشة، من دون أن تحتفظ بروحها الهائلة التي وضعتها في الماضي على خارطة الابداع الانساني المتنوع بجانبيه الحسي والمادي. الرموز إن كانت قد غابت لا يعني أنها امَّحت، لهذا علينا أن ننقب عنها ونضعها في أبهى صورة تعبر عن هويتها وخصوصيتها. ومدننا العراقية تستحق هذا الجهد وان كان مصحوباً بالعناء في وقتنا الراهن.

المحو المنظم

وفي سياق القراءة السيكولوجية للمدينة العراقية يقول الدكتور فارس كمال نظمي إن المدينة في أي عصر هي اختزال لسيكولوجيا الزمن الماضي الذي انبثقت منه تلك المدينة بحسب ضرورات التطور التأريخي. وبمعنى أدق، المدينة هي الإنسان وقد انصهر جوهرياً في شكل المكان المتمدن. ولذلك فالرمز المديني تشتد دلالاته وتزداد عمقاً وتنوعاً وتغايراً وأنسنةً كلما استطاع الوعي الاجتماعي أن يجعل من المكان مناسبةً لقدح الجمال وإكسابه غايات إصلاحوية.

وبحسب هذه الرؤية، يضيف نظمي، فللمدن العراقية الكبرى رمزيتها التي يمكن اختزالها بثلاثة عناصر أنثروبولوجية: أولها مضمون اللهجة الدارجة المحكية، وثانيها المُنتَج السلوكي والفكري (تقاليدياً وثقافاتياً)، وثالثها معمارية المكان الذي أنتجه الحراك البشري المديني عبر الزمن. وتتمايز هذه العناصر الثلاثة عمقاً أو سطحيةً، وضوحاً أو غموضاً، جمالاً أو قبحاً، عقلنةً أو اسطرةً، أنسنةً أو رثاثةً، بحسب أنماط السلطتين السياسية والاجتماعية اللتين سادتا في أي مدينة عبر حقبة زمنية معينة. وبهذا المعنى فالمدينة العراقية تستمد رمزيتها من طاقة ذاكرتها التأريخية أو الثقافية، بقاءً أو اندثاراً.

‘فبغداد مثلاً في خمسينات القرن الماضي عاشت رمزيتها الذهبية (لغةً وثقافةً وعمارةً) حينما سادت النخبوية السياسية التكنوقراطية إلى حد كبير، وحينما تطورت السلطة الاجتماعية إلى حد إنها وجدت أنّ لا تعارض بين القيم الدينية والممارسات الجمالية في مجمل الحياة اليومية للأسرة العراقية’. تلك كانت لحظةً نوعيةً توهجت فيها الذاكرة الاجتماعية ببعديها التأريخي والثقافي، بحسب رأي نظمي، فاتضحت الهوية المدينية إلى أقصى حدودها الرمزية (اللهجة البغدادية، والمقام البغدادي، والمطبخ البغدادي، والمقهى البغدادي، والحانة البغدادية، والعمارة البغدادية، والصناعات الشعبية البغدادية والتقاليد البيتية البغدادية، والأهم من كل ذلك الشخصية البغدادية). وما كان ينطبق على بغداد، انطبق أيضاً على بقية المدن العراقية الكبرى.

أما اليوم، يؤكد نظمي، فنجد انحساراً مريراً في الطابع الحداثوي للمدينة العراقية إذ يجري كل يوم تجريف رمزيتها، بل تقويض هويتها إلى حد التصحر وتغييب علاماتها الدالة على تلاقح التأريخ بالمكان. ويُعزى هذا التجريف إلى المحو المنظم الذي تعرضت له الذاكرة التأريخية العراقية على يد احتلالين خضع لهما المجتمع العراقي المديني خلال العقد الأخير من الزمن: الغزو الأمريكي والأسلمة السياسية. و’إذا كان للمشروع الأمريكي أهدافه الاستراتيجية المتمثلة بسياسة ‘محو الدول’ في منطقة الشرق الأوسط، فإن المشروع الطائفي الذي شرعت به أحزاب التأسلم السياسي قد تعدى في مداه مسألة الاستحواذ الأناني على السلطة، إلى قصديةٍ غدت أكثر وضوحاً بمرور السنين، تلك هي تخدير الوعي الاجتماعي العقلاني بغايات متقدمة للحياة إلى حد ممارسة سياسة يومية منظمة لتقبيح المدينة العراقية وترثيثها بأدوات أساطيرية تعمل على تسطيح الأداء البشري وتجريده من حقه الطبيعي في إدراك الجمال وإنتاجه؛ بمعنى اختزال النوع الإنساني إلى حاجتين فقط لا ثالث لهما: الإشباع البيولوجي الفج، والتقرب النفعي من السماء. فأصبحت المدينة العراقية مختزلةً برمزين أو علامتين جماعيتين فقط تنتج إحداهما الأخرى في متوالية سقيمة: الهضم المِعَدي والتدين الزائف. فتراجعت كل مظاهر الأنسنة والتحضر والحداثة إلى حد إذابة كل العلامات أو الرموز المميزة للهوية الفردانية لكل مدينة، وإعادة إنتاج كل المدن جمعياً بمظهر لاهوتي موحد رث يلغي التعددية والرمزانية المتمايزة ويختم الجميع بختم القطيع التائه في صحراء الفراغ الوجودي المر’.

المخيال الجماعي

الشاعر والباحث في التاريخ السياسي قحطان جاسم يقول إن تاريخ المدن يتشكل عبر الناس، الاماكن، الطبيعة أو الاحداث. ويتحول هذا التاريخ الى علامات ورموز تميزّ بعضها عن البعض الآخر أو تخلق مشتركات فيما بينها، بحيث تكون هذه الرموز والعلامات جزءاً عضويا مما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو ‘الرأسمال الرمزي والثقافي’ وعنصرا مهما في مكونات الهوية والمخيال الجماعي وحاملا ثقافيا للذاكرة الشعبية.

ويضيف ‘تجربتي مع المدن تمتاز بخصوصيتها فقد قضيت طفولتي وشبابي في بغداد لكنني سكنت وعشت في مدنا أخرى. وعلى ضوء ذلك يمكنني القول أن علامة بغداد ورمزها الدال هي ساحة التحرير ونصب الحرية لجواد سليم ومقاهيها الثقافية البرلمان، ‘أبو سعد’ ‘حسن عجمي’ وغيرها.. أما في مدينة الحلة فأن مقهى ‘أبو سراج’ الذي يرتبط بذكريات مع العديد من أدبائها وفنانيها فقد كان حاضنة لتلاقح المفاهيم والتجارب.. وحين ذكر مدينة الديوانية فلا يمكن تغافل سوقها المسقوف.. أو عبدلله حلواص، أقدم عامل نقابي، الذي كان، على الرغم من أنه كان كفيفا، قادرا على الدخول في مماحكات وجدالات مع العديد من سياسيي المدينة حول تاريخ العراق السياسي، أضافة الى امتلاكه معارف عامة، ثم الشاعر علي الشباني الذي يعتبر مع الشاعر مظفر النواب أحد اللذين وضعا الأسس لتجديد الشعر الشعبي في العراق. أما السماوة فيمكنني ذكر ‘قطار الموت’ عام 1963 وثورة العشرين في الرميثة وانتشار الشعر الدارمي في أريافها. وعند الاشارة الى الناصرية فالشاعر الحبوبي والشارع المسمّى بأسمه هما أول ما يتبادر الى الذهن’. وهناك أيضاً أماكن لها علاماتها السلبية كسجن أبو غريب في أبو غريب، نقرة السلمان في السماوة، الامن العام في بغداد. وهي تنطوي على أهمية كبيرة لانها تحمل ما يسميّه الروائي والاديب البلغاري الاصل أيمري كيرتز في واحدة من مقالاته عن الهولكوست ‘طاقات أخلاقية’ كامنة. وكان هدف كيرتز من مقالته تلك أن تساهم الاماكن ذات التأريخ السلبي في تحفيز الناس على طرح أسئلة تحريضية للتوقف عند أحداث ورموز الماضي المهمة باعتبارها علامات شاخصة في التاريخ المعاصر.

رموز منفية

ويصف الكاتب عمار السواد المدن من خلال أنسنتها، فيقول إن للمدن روح تخصها، تجعلها مميزة عن المدن الاخرى، أي مدينة تولد الآن او ظهرت منذ الاف السنين تأخذ روح مجتمعها وتاريخها او مبانيها واثارها.. تأخذ شكل اسواقها وشوارعها، لتترجم كل ذلك في روح واحدة.’

ويضيف السواد: أحياناً يكون للمدينة مبنى قديم مهترئ يضفي خصوصية عليها، ربما مبنى شاهق العلو بني من عام او عامين فتكتسب جمالها لتحصل على ما يميزها.. لا يشترط ان تكون المدن جميلة ومنظمة كي تكسب حضورها وما يميزها، بل ان ذلك يكون بأن تفتح ذراعيها وكأنها طير يحلق في عمق السماء، او تبتسم بعيونها وكأنها امرأة تفرح بطفلها، او كأنها رجل يحمل صلابته التي تخفي رقة يخشى اظهارها، ربما هي شاعر يقف على ضفة النهر كي يبوح باسراره رموزا!

مدن العراق كغيرها لها شواخصها، تاريخها وحاضرها، رغم كل الاوجاع تملك ما تقول وما تفعل وما تبوح.

رمال ولون صحراوي يشي بانتمائها للصحراء، تاريخ يقدم عمق انتمائها للحضارة، شعر يشير الى فضاءاتها الخيالية، مدارس من الماضي تكشف كم الجدل الذي كان ها هنا، ولكل من المدن خصيصتها، جدلها وشواخصها.

ويكشف السواد من خلال طرحه أن كل الشواخص والمعالم العراقية داخل المدن الحية تأخذ شكلها العثماني وليس العباسي، بغداد العباسية غير موجودة سوى بمسميات، هناك بغداد العثمانية.. وشتان بين مدينة تنتمي لماض جميل حيث عاصمة الدنيا، وأخرى تنتمي لماض كانت فيه منفى…

شارك في النقاش:

Loading Disqus Comments ...
Loading Facebook Comments ...