رجُل فيتروفيان … عمارة تستخدم الإنسان كنموذج

بقلم  |  7 تعليقات

بناة – خاص – تقرير:

ليوناردو دافنشى … لعل الكثير يعرف هذا الرجل كرسام لوحة "الموناليزا" اللوحة الفنية الأشهر فى تاريخ الإنسانية … ولكنهم على الأغلب يجهلون أنه لم يكن رساماً فقط … لقد كان مصمماً صناعياً عبقرياً صمم طائرات هليكوبتر قبل قرون من إختراعها … صمم غواصات ومعدت حربية … كان شاعراً وكاتباً … عالم تشريح وموسيقى ومهندس إنشائى … وأيضاً معمارياً.

ولعل الكثيرين أيضاً يعرفون هذه الرسمة التوضيحية التى نطرحها بهذه المقالة – ربما لا يعرفون إسمها ولا كانوا يعرفون رسامها – ولكن بالتأكيد معماريين وغيرهم قد شاهدوها من قبل … ولكن ما قيمة هذه الرسمة لتنتشر بهذا الشكل !! … وما الذى جعلها برغم بساطة خطوطها مؤثرة بهذا الشكل على عدة علوم إنسانية مختلفة … فى الطب وفى الفن وفى الهندسة المعمارية والرياضيات, هى بالتأكيد ليست بالبساطة التى تبدو بها … فهى ذات عمق يستحق منا أن نتوقف وتعرف قصتها.

فى سلسلة مقالات سابقة تناولنا موضوع النسبة الذهبية, وكنّا قد ذكرنا أن رسمة رجُل فيتروفيان ( Vitruvian Man ) للفنان الإيطالى ليوناردو دافنشى ( Leonardo da Vinci ) كانت من النقاط المحورية فى رحلة بحث الإنسان عن هذه النسبة الغامضة … وفى الواقع لم يكن ليوناردو يضع فى ذهنه هذا المصطلح وهو يرسم رجل فيتروفيان .. ولكنه كان يضع الفكرة التى طرحها المعمارى الرومانى "فيتروفياس" قبلها بقرون عديدة وتحديداً فى العام 1 قبل الميلاد والتى تدور حول أن الإنسان هو محور هذا الكون … ومن أن المبنى المطلق الإتقان هو ما يخرج من نسب الإنسان نفسه الذى خلقه الله فى أحسن تقويم .. وأن الجمال المتقن هو الذى يجمع الشكل والوظيفة والجمال فى منتج واحد.

إن عناصر معبد ما يجب أن يكون بينها انسجام أكبر في علاقتها بالأجزاء المختلفة الى التكوين العام الأكبر, ثم مرة أخرى، في الجسم البشري … النقطة المركزية بطبيعة الحال سرة البطن. لأنه إذا أمكننا أن نضع رجل ما على ظهره، ويداه وقدماه ممدداتان، وورسمنا دائرة مركزها السرة ، فإن أصابع اليدين والقدمين تلمس محيط الدائرة التى وصفناها سابقاً … وكما أن جسم الإنسان ينتج لنا مخطط دائري، فكذلك يمكننا العثور على مربع منه. لأننا لو قمنا بقياس المسافة من أخمص القدمين إلى قمة الرأس، ومن ثم بتطبيق هذا الإجراء إلى الأذرع الممدودة، سنجد إنها تكون بنفس الارتفاع، تماماً كما هى حالة الشكل الهندسى المسطح الذي يكون مربع تام.
"ماركوس فيتروفيوس ( Marcus Vitruvius )، العمارة ( De Architectura )، الكتاب الثالث، الفصل 1، ص 3 "


 

The Notebooks of Leonardo DaVinci, Vol. 1 pp. 182-3.

كما نرى فإن ليوناردو لم يكن يفكر فى النسبة الذهبية كمصطلح وقتها … ولكنه كان يحلل ليستكشف هذه النسب الغامضة للجمال الموجودة فى الطبيعة وبالأخص فى جسم الإنسان … وكانت الإفتراضية أن الإنسان هو محور الكون … والتى أراها إفتراضية غير صحيحة لأنها ببساطة تماثل مركزية الإنسان النفسية .. مثلما نجد أن كل دول العالم تظن أنها فى منتصف الكرة الأرضية ومحور العالم وباقى الدول تقع يميناً ويساراً … بينما واقع الأمر أن مسطح الكرة ليس له منتصف.

والكتابة الموجودة بالرسمة التوضيحية من مذكرات ليوناردو تعكس الترجمة الإيطالية للنص اللاتيني الذى كتبه ماركوس فيتروفيوس بوليو، عن التناظر في المعابد، وفي جسم الإنسان." وقد تأثر فيتروفيوس بقوة – وهو مهندس معماري ومهندس عسكري خلال الثلاثية الثانية في أعقاب وفاة يوليوس قيصر وكذلك في عهد مبكر من أوغسطس – تأثر باليونانيين، ولا سيما هيرموجينيس ( 200 قبل الميلاد)، وكتب في مواضيع عدة عن النمط ، النسبة، والتزيين، واتجاهات المؤسسات والشوارع والأساسات، وبناء الطرق والمواد، والاختراعات القديمة، والصوتيات، والتوافقيات الهيكلية.

وجاءت ترجمة المكتوب على النحو التالى:
"لقد صممت قياسات الجسم البشري فى خِلقة الله للإنسان بحيث نجدأن 4 أصابع تكوّن لنا عرض الكف ( palm )، و الـ 4 أكفف تكوّن القدم ( foot )، والـ 6 أكفف تكوّن الذراع ( cubit )، والـ 4 أذرع تكوّن طول الإنسان والـ 4 أذرع تكوّن الخطوة ( pace ) و الـ 24 كف تكوّن طول الرجُل، وهذه القياسات استخدمها في مبانيه.
"اذا فتحت ساقيك بالقدر الى يخفض طولك بنسبة 1/14 ومدد ورفعت ذراعيك حتى تلمس أصابعك الوسطى مستوى أعلى رأسك, فيجب أن تعرف أن المركز دائرة الأطراف الممدود سيكون في السرة … وسوف تكون المسافة بين الساقين مثلث متساوي الأضلاع.
"وطول ذراعى الرجل الممدودة يساوي تماماً طول قامته.
"من جذور الشعر إلى أسفل الذقن هو عشر طول الإنسان … من أسفل الذقن إلى أعلى الرأس هو ثُمن طوله … ومن الجزء العلوي من الثدي إلى أعلى وسوف يكون رأسه هو سدس طول الإنسان. من الجزء العلوي من الثدي إلى جذور الشعر سيكون 1/7 من الإنسان الكامل. من الحلمات إلى أعلى الرأس وسوف يكون ربع طول الإنسان. . فى أكبر عرض للكتفين في حد ذاته يحتوي ربع طول الإنسان … وسوف من الكوع الى أطراف اليد خُمس طول الإنسان، ومن الكوع الى الإبط يكون ثُمن الإنسان … كامل اليد هى عشر الإنسان,. بداية العضو الذكرى يقع فى منتصف الإنسان, القدم سُبع الإنسان وبداية من أخمص القدم إلى أسفل الركبة يكون ربع الإنسان. من أسفل الركبة إلى بداية العضو الذكرى ربع الإنسان، والمسافة من أسفل الذقن إلى الأنف ومن جذور الشعر إلى الحاجبين، متساويتان، ومثلهما نفس مسافة الأذن، وهى تعادل ثلث الوجهه. "

العمارة والنسب والإنسان

معماريوا عصر النهضة على ما يبدو أعتقدوا حقاً أن "الإنسان هو المقياس كل شيء". "كما يؤكد المؤرخ الألمانى رودلف ويتكاوير ( Rudolf Wittkower )، ويضيف أن هذا ليس دليلا على نظرة العالم أن محوره الإنسان. ولكن بما أنه تم تصوير الإنسان في صورة الله، لذلك كانوا يعتقدوا أنه النسب المتمثلة في شكل الإنسان تعكس النظام الإلهي والكوني " كما أورد فليب ستيدمان ( Philip Steadman ) فى كتابه ( Biological Analogy in Architecture and the Applied Arts ).

تلك الرسومات التى رسمها فرانشيسكو دي جورجيو توضح المفاهيم النسبية للإنسان بطريقة مباشرة وبشكل واضح.


 

Source: Scaed from Trattato di architettura di Francesco di Giorgio Martini by Francesco di Giorgio


 

Source: Scaed from Trattato di architettura di Francesco di Giorgio Martini by Francesco di Giorgio


 

Source: Scaed from Trattato di architettura di Francesco di Giorgio Martini by Francesco di Giorgio

رجُل فيتروفيان كان جزءا من هذا التوجه العام لهذه الفترة لتلبية الحاجة إلى النسبة المثالية المناسبة … فهم رأوا أن تخطيط المبنى يجب أن يتطابق فى كل جزء مع جسم الإنسان. فاساري ( Giorgio Vasari )، على سبيل المثال، في توصياته حول تصميم القصر المثالي، كان يقارن الواجهة مع الوجهه، والباب المركزي مع الفم، والنوافذ وضعت بشكل متناظر مع العيون، والفناء مع الجسم، والسلالم مع الساقين والذراعين كما يقول ستيدمان فى كتابه.

بضعة رجال فيتروفيان أخرون

لم يكن ليوناردو دافنشى هو الوحيد الذى إستجاب لإطروحة فيتروفياس … ولكننا نجد فنانون عدة فى هذا الوقت حاولوا حل هذه الأطروحة فى رسمة توضيحية … مثل المعمارى الإيطالى فرا جيوفاني جيوكوندو ( Fra Giovai Giocondo ) والذى أشرف على بناء كنيسة القديس بطرس بروما وكان أول من يحول أطروحة فيتروفياس لرسمة فى عام 1511 م … وأيضاً تشيزارى تشيزاريانو ( Cesare Cesariano ) فى عام 1521 والذى حاول توضيح الفكرة هندسياً عن طريق رسمة نرى فيها بوضوح أنه حاول جاهداً أن "يجبر" جسم الإنسان أن يدخل داخل الأشكال الهندسية .. مما أنتج لنا نسب مشوهة غير واقعية للإنسان … وأيضاً فرانشيسكو جيورجي ( Francesco Giorgi ) فى عام 1525 , وماريانوا دى لاكوبا ( Mariano di lacopo ) الشهير بـتاكولا ( Taccola ), ولكن وحده ليوناردوا دافنشى إستطاع إتقان إخراج الإطروحة بجسم إنسان بنسب صحيحة تماماً وفى شكل مربع تام ودائرة تامة كما نرى.


 

فرا جيوفاني جيوكوندو ( Fra Giovai Giocondo )


 

تشيزارى تشيزاريانو ( Cesare Cesariano )


 

تشيزارى تشيزاريانو ( Cesare Cesariano )


 

Source: Scaed from Trattato di architettura di Francesco di Giorgio Martini by Francesco di Giorgio

سيظل مبدأ بحث المعماريين والفنانيين عن النسب المثالية للجمال … وإيمانهم أن العمارة ما هى إلا من الإنسان .. وللإنسان … وتأملهم فى بديع خلق الله سبحانه فى السموات والأرض وفى أنفسهم … رحلة لا تنتهى … إلا إنها كلما تقدمت شيئاً بسيطاً نقلت الإنسان معها عصور وعصور للأمام.

إقرأ المزيد من سلسلة النسبة الذهبية : 1 – النسبة الذهبية … النسبة الإلهية الغامضة للجمال. 2 – النسبة الذهبية … فى الكون وفى الإنسان الذى تصمم له.
علي سامي

مهندس معماري ومهندس تطوير أعمال ومدير تحرير بـــنــاة العمارة والبناء

شارك في النقاش:

Loading Facebook Comments ...

7 تعليقات