حكايتنا مع القيمة ..ومع عمارة القيمة (2) - بــُـنــاة

مقالات فى العمران

حكايتنا مع القيمة ..ومع عمارة القيمة (2)

بقلم  | 

بقلم. مجيب الرحمن عامر – مجلة العمارة:

حاولنا في المقال السابق (منشور بالعدد 22) التعرض للقيمة المجتمعية في حياتنا ،وعلاقة ذلك بالعمارة التي نطلق عليها -اعتزازاً وفخراً – عمارة القيمة أو العمارة ذات القيمة..ورأينا أن تبدأ عملية التحري عن علاقتنا بالقيمة يوم أن ولي الخديو إسماعيل سدة العرش أو يوم أن قرر تشييد حاضرة جديدة هي القاهرة الخديوية (الاسماعيلية)،في مقابل قاهرة المنشأ ،التي سكنها أسلافه منذ عهد الفاطميين ،وبالتالي  أصبح لدينا قاهرتين مختلفتين مضموناً وشكلاً وسكاناً ..وصار لكل منهما أسلوب حياة يكاد يناقض الآخر وينافحه وسط إقصاء سلطوي وتعالي نخبوي قابله سخط طبقي وانزواء مجتمعي على الجانب الآخر،فاطلت بذلك الفكرة الازدواجية برأسها على المشهد التغريبي كاملاً..عمراناً وعمارة ..وناس.

ظلت القاهرتان في موقف المواجهة غير المتزنة حتى حدث تحول خطير على الصعيد السياسي ،تمثل في قيام حركة الضباط الأحرار باسقاط الملكية واعلان الجمهورية.ومع صعود طبقة صغار الضباط والموظفين لدرجات الهرم المجتمعي في مصر ،يصاحبه اتجاه الدولة نحو المنهجية الاشتراكية وتبنيها للفكرة القومية ظهرت مشروعات الاسكان منخفضة التكاليف وارتدت العمارة الرسمية ثياب الطراز الدولي الذي كان مواكباً لروح المرحلة طاغيةً بذلك على العمارة الكلاسيكية (القائمة) ،لتبدأ هي الأخرى مرحلة “محاولة التعايش” مع “عمارة الشعب”،رغم الرغبة السياسية في قطيعة الماضي سيء السمعة لأنه يحمل ذكريات العهد البائد من اقطاع واحتلال وحكم ملكي موروث عابث !

ولعل انفعال الجماهير بالتجربة الناصرية واصلاحاتها من ناحية ،و الحروب التي خاضتها مصر خلال تلك التجربة من ناحية أخرى، ما جعل الصراع حول “القيمة” بين النخبة والعامة مؤجلاً حتى انتصار أكتوبر 1973 ،فبعد الحرب مباشرة رفعت الدولة يديها عن دعم المواطن ، مظهرة للجميع أنها تشجع انفتاح مصر على الأسواق العالمية فيما عُرف بقرارات الانفتاح الاقتصادي، وبذلك إتجهت السياسة المصرية نحو الرأسمالية ونحو التعددية ،وهو ما فتح الباب أمام الإستثمارات الأجنبية وإطلاق يد الأفراد في عمليات الإستهلاك مع تخفيف القيود الحكومية وعدم تدخلها في القرارات الفردية .وحيال ذلك تشجعت شريحة مجتمعية وسطى ودنيا على الهرولة إلى بلاد النفط سعياً وراء الرزق، تاركين ورائهم معدلات التضخم..في تضخم!

وبظهور شرائج مجتمعية جديدة استهلاكية –انتفاعية النمط ،تأثر كثير من المصريين بالسلوكيات الأجنبية فإتخذوا لأنفسهم زي الأجنبي وطريقة معيشته ،في ظل صعود سريع للطبقات الدنيا وإنتساب الأسرة الواحدة لمراكز إجتماعية مختلفة، وظهرت الرغبات المحمومة في الكسب السريع على حساب المنتج وضعفت روح التعاون والإنتماء حتى برزت “قيماً بديلة” تقاس بالقدرة على إنتهاز الفرص والتكيف السريع مع تقلب الأحوال .فإرتفع معدل الحراك الأجتماعي وإرتفعت معه معدلات الجريمة والإعتداء على الأموال العامة بالرشوة والاختلاس أوالخاصة بالسرقة والاحتيال،فكان من الطبيعي أن يُعاد النظر في العمارة القائمة بحثاً عن عمارة متفردة تشبع رغبات شريحة من الطامحين ،لتعود بذلك العمارة الكلاسيكية ولكن بوجه غير الوجه ..في ظرف غير الظرف !

لعبت شركات الاستثمار الأجنبية مثلما لعب الأثرياء الجدد (Nouveau Riche) عنصراً فعالاً في صراع القيمة ،وذلك بظهور المشروعات الكبرى على أنقاض الفيلات والقصور القديمة أو متاخمة لأحياء الفقراء التي أصبحت بدورها مناطق عشوائية منعدمة الخدمات ،ولجأ بعض معماريي هذه المشروعات إلى محاكاة الطرز الكلاسيكية كما تمثلتها أغلب الفيلات أو القصور الجديدة داخل مجتمعاتها الجديدة على أطراف القاهرة ،فيما يُعد حالة من الحنين إلى الماضي (Nostalgia)  ولكن بدت هذه الأعمال كنسخ رديئة مستنسخة من الأصل،الذي  بدأ يُنظر إليه- بسبب ذلك- لأول مرة على أنه عمارة ذات قيمة في زمن منعدم القيمة ..ومن ثم أطلت ازدواجية معمارية وعمرانية برأسها مرة أخرى على المشهد ..موازية لفصام مجتمعي وفجوة طبقية شائهة..فيما برز مفهوم “الزمن الجميل” تعبيراً عن حقبة سبقت يوليو 1952بنصف القرن أو يزيد.

و يمكن القول بأن الحالة المعمارية /العمرانية الحالية هي نتاج الحراك المجتمعي السائد من بعد الانفتاح الاقتصادي،وهي تُعد حلقة من حلقات التغريب التي مارستها النظم السياسية المتتابعة ،ما بين حكم الأسرة العلوية المتوارث والحقبة الناصرية ذات التوجه القومي الاشتراكي ،ثم التحول إلى النظام الرأسمالي وفترة الانفتاح على الأسواق العالمية والاستثمارات ،ولعل من الملاحظ في هذه التجارب التغريبية التفات المجتمع إلى مفهوم القيمة نفسه.. بعبارة أخرى تطور استيعاب منظومة القيم وهو ما يرتبط مباشرةً بالحالة المعمارية والعمرانية الكائنة، وتتصنف هذه الحالة  بدورها إلى عمارة ذات قيمة لايمكن فصلها عن أسلوب حياة ساكنيها أو عن الحقبة الزمانية التي ظهرت خلالها فجائت وليدة لظروف معينة يستحيل تكرارها ، نخلص من هنا إلى أن الاستنساخ الذي نلمسه لأي حالة معمارية في غير زمانها هو درب من دروب التقليد المشوه،و نوع من أنواع الاساءة للعمارة ذات القيمة في أي من أطوارها أو عصورها،حتى وإن سلمت المقاصد ..أو حسنت النوايا ..

لفتة : “الإنسان هو مكتشف القيمة و صانع قوانينها و الحاكم عليها بالخير و بالشر ، بالنفع أو بالضرر.” د.سيد القمني

شارك في النقاش:

Loading Disqus Comments ...
Loading Facebook Comments ...