تراتبية المُدن في دلتا النيل

بقلم  |  بدون تعليقات

في عام 1949 وضع (Zipf)  نظريته لشرح وتفسير أحجام المدن، ووضع من خلالها نموذجاً يعامل المدينة على أساس رتبتها وحجمها السكاني، بمعنى أن المدينة الثانية بإقليم ما أو حتّى على مستوى الدولة لها أن تضم نصف عدد السكان بالمدينة الأولى،  فعلى سبيل المثال: فإن مدينة القاهرة وبحسب تعداد عام 2006 تحتوي على ما يقارب ثمانية مليون نسمة؛ فالإسكندرية بإعتبارها المدينة الثانية على مستوى الدولة يُفترض أن يكون تعدادها أربعة ملايين نسمة، وهكذا الحال بالنسبة للجيزة بإعتبارها المدينة الثالثة يفترض أن تحتوي على ثُلث عدد السكان بالمدينة الأولى.

بمعنىً آخر: تنص النظرية على أن أي مدينة بالدولة أو بالإقليم يفترض أن يكون تعدادها يتناسب تناسباً عكسياً مع رتبتها بالنسبة للمدن الأُخرى؛ وبالتالي يمكن تفسير ذلك من خلال المعادلة الآتية:

Px = P (Rx-1

 حيث:


P

تعداد المدينة الأولى

Rx

رتبة المدينة

Px

تعداد المدينة التي رتبتها (x)

توزيع السكان على المدن طبقاً للنظرية يساعد في التحكم في حركة السوق، وتوزيع الموارد والخدمات، كما أن غياب تراتبية المدن بدول العالم النامي يشي بغياب العدالة في التوزيع (Rank Size verus Primate City, 2013)، قد ينتج غياب العدالة الإجتماعية في تلك الحالة لغياب التوزيع العادل لعمليات التنمية على المدن ويمكن أن يئول ذلك إلى تداخل الأدوار بين المدن المختلفة، مما يؤدي إلى المشكلات التي نختبرها ونعاني منها اليوم مثل: تركزات الملوثات بنسب مرتفعة في المراكز الحضرية، وإرتفاع أسعار الأراضي وكذلك الوحدات السكنية لمعدلات خيالية بالقاهرة ومُدن الأقاليم، الإختناقات المرورية الملحوظة على مداخل ومخارج القاهرة في أوقات الذروة، والتي تدل على تركز الفرص في القاهرة وغيابها في الأقاليم، وكذا التشوه الحادث في الهوية الريفية بالمحافظات المصرية.

على مستوى إقليم الدلتا والذي يضم خمسة محافظات ( كفر الشيخ، دمياط، الدقهلية، الغربية والمنوفية)، فإن المدينة الأولى بالإقليم هي مدينة المحلة الكبرى بتعداد يبلغ 589540 نسمة في عام 2006، تليها مدينة المنصورة ثم طنطا في المرتبة الثالثة وبعدها مدينة شبين الكوم. يُظهر الشكل المرفق التباين بين حجم المدينة الفعلي بحسب إحصاء 2006، وبين الحجم المفترض أن تكون عليه بحسب رتبتها في الإقليم؛ حيث تتجاوز كلاً من مدينتيْ طنطا وشبين الكوم ضعف الحجم الذي يفترض أن تكون عليه، في حين تقترب مدن دسوق وميت غمر من التعداد المرتبط برتبتها.

التباين بين تعداد المدن بحسب إحصاء 2006 الصادر من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والتعداد المفترض بحسب نظرية الرتبة والحجم.

التباين بين تعداد المدن بحسب إحصاء 2006 الصادر من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والتعداد المفترض بحسب نظرية الرتبة والحجم.

ينعكس ذلك التفاوت على جودة الحياة بمدن الأقاليم وقراها، ويؤثر على معدلات دخل الأسر بها وبتوزيع الخدمات فيما بينها، ويهضم حق المدن في مشروعات التنمية لحساب مدن أكبر، ويعمل ذلك على ارتفاع معدلات الهجرة الداخلية من القرى والمدن الأصغر للمدن الكبرى بحثاُ عن فرصة أفضل، مما يسبب ضغط على البُنى التحتية بالمدن، وتزداد نتيجة لذلك البؤر العشوائية بالمدن ومعها يترفع معدل العدوى بالأمراض وكذلك معدلات الجريمة.

أتوقع أن يختلف الوضع بالنسبة لمحافظات الصعيد وللمحافظات الحدودية وأن يكون أكثر سوءاً مما عليه الوضع بالدلتا، فمن القرى الأشد فقراً بصعيد مصر إلى القرى المهمشة في سيناء والنوبة وعلى الحدود الغربية لمصر، تقبع أزمة عدالة التوزيع تجر وراءها أزمات لا تنتهي، وستظل بعض قرى ومدن الأقاليم في مصر تفتقر إلى السكن، ومصدر لمياه الشرب والصرف الصحي، في حين أن أولئك لهم حق في التنمية التي تحسن مستوى المعيشة قبل الشروع في فتح آفاق تنموية إقليمية، حتى نؤمِّن جاهزيتنا لمشروعات قومية ضخمة.

أحمد رجب

مُعيد بقسم الهندسة المعمارية جامعة المنوفية. مُدوّن ومصور و مهندس معماري، مُهتم بالتنمية الحضرية وجودة الحياة في المناطق اللارسمية، والأعمال التطوعية.

شارك في النقاش:

Loading Facebook Comments ...