بالإيجار تُحل أزمة سكن الفقراء

بقلم  |  بدون تعليقات

يحيى شوكت – مدى مصر – القاهرة:

فى مقال سابق لى، أشرت إلى أربعة تحديات يواجهها وزير الإسكان لإتاحة المسكن الملائم لملايين الأسر، المطالبة بحقها فى أربعة حوائط مناسبة تأويها. إحدى هذه التحديات هى مشاريع الإسكان التى تتبناها الحكومة. فقد فشل مشروع وزارة الإسكان السابق، المشروع القومى للإسكان، أو إسكان مبارك، فى توفير 500 ألف وحدة فى الفترة الزمنية المحددة له، كما لا تزال عشرات الآلاف من وحداته غير مسكونة، سواء لعدم وصول المرافق لها، أو لأنها بأماكن نائية وغير آمنة. ولكن فشل المشروع الرئيس كان فى عدم توفير وحدات سكنية للفقراء، حيث ذهبت معظم وحداته، والتى كانت مطروحة للبيع، لمتوسطى الدخل، ومن دخلهم كان فوق المتوسط، نظراً لإرتفاع أسعارها وصعوبة الضمانات المطلوبة، والتى تطلبت ضامن له وظيفة حكومية.

ففي الفترة الماضية ظهرت ثلاثة مشاريع إسكان، تتبناها جهات حكومية مختلفة وتعلن أنها لمحدودي الدخل. المشروع الاكبر هو برنامج الإسكان الاجتماعي لوزارة الإسكان، والمعروف بالمليون وحدة، لأن هدفه توفير مليون وحدة ما بين عامى 2012 و2017. المشروع الثانى هو مبادرة البنك المركزى لإسكان محدودى ومتوسطى الدخل، وهو تنشيط لمشروع مشترك ما بين وزارة الإسكان وصندوق دعم وضمان التمويل العقارى والبنكالدولى، وتم فتح وغلق باب التقدم لـ 10 ألاف وحدة فى الأشهر الماضية. أما المشروع الثالث، فقد تم تسميته أيضاً بالمليون وحدة، ولكنه مشروع آخر تابع للهيئة الهندسية للقوات المسلحة ومطور عقارى إمارتى، أرابتك، ويهدف لتوفير مليون وحدة بين عامى 2015 و2020، أيضًا لمحدودي الدخل.

ثلاثة مشاريع جميعها لمحدودي الدخل، ولكن من هم “محدودي الدخل” التى تخاطبهم كل هذه المشروعات؟ أيقصدون الفقراء؟

إجمالي وحدات مبادرة البنك المركزي ومشروع أرابتك، بالإضافة إلى الغالبية العظمى من وحدات برنامج الإسكان الاجتماعي، سيتم طرحها للبيع عن طريق الاقتراض بنظام التمويل العقاري (فهناك نسبة غير محددة بعد من الإسكان الاجتماعي بالإيجار، ولكن حسب المشاريع السابقة، ستكون نسبة ضئيلة). يحدد قانون التمويل العقاري حد أعلى للدخل، وهو التعريف القانوني لمحدودي الدخل، وهذا لتنظيم عملية التقدم لوحدات الحكومة المدعومة. هذا الحد حالياً هو أسرة ذات دخل سنوي لا يزيد عن 30 ألف جنيه، وافق مجلس الوزراء فى يناير الماضي على رفعه لـ 40 ألف جنيه فى السنة، ولم يدخل حيز التفعيل بعد. ولكن إذ قارنّا هذه الدخول بشرائح الإنفاق، حسب بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2012-2013، الذى يصدره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سنجد أن الوحدات مقدمة لأسر مدرجة فى أعلى شريحة للإنفاق، أى أن الوحدات المدعومة متوفرة للمصريين الأعلى دخلاً (باستثناء أغنى 10 % مننا).

فأين العدالة الاجتماعية فى السماح للأغنياء بمزاحمة الفقراء في دعم الدولة للإسكان؟

ولكن المفاجأة الأخرى أن الفقراء لا يستطيعون التقدم لوحدات التمويل العقاري المدعومة، فهي خارج مقدرتهم الشرائية. فيحدد قانون التمويل العقارى حد أدنى لدخل الأسرة للتقدم لأحد قروضه، مثلما هو شائع فى نظم القروض، وهذا لضمان أن أقساط السداد لا تمثل عبء زائد على الأسرة. ولهذا الغرض لا يسمح قانون التمويل العقاري بقرض يتعدى 25% من دخل الأسرة، أو بمعنى آخر، ألا تتعدى قيمة القسط ربع دخل الأسرة الشهرى. هذا في رأيي قرار صائب، فهناك أساسيات للحياة مثل الغذاء والتعليم والصحة تلتهم الغالبية العظمى من دخل الأسرة المصرية، ويؤكد لنا بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك، أنه لهذه الأسباب لا يتعدى متوسط إنفاق الأسر على الإيجار 15% من الإنفاق، وهو الإنفاق الذى سيتم استبداله بسداد أقساط شقة جديدة فى حين توافرها، مع بعض الضغط على الإنفاق على الاستهلاك غير الأساسي.

ولتحديد الحد الأدنى لدخل الأسرة، أو أقل أسرة دخلًا، يمكن لها أن تقتنى أحد وحدات هذه المشاريع، لا بد من التعرف على أسعارالوحدات تلك، والتي بالتالي تحدد قيمة القرض. فلنبدأ بوحدات مبادرة البنك المركزي والتي بدأت عملية تسليمها مؤخرًا. فأسعارها تتراوح بين 75 إلى 110 ألف جنيه، وهى الأقل سعرًا بين الثلاثة مشاريع لأن وحداتها الأقل مساحة. فطبقًا لموقع صندوق دعم وضمان التمويل العقاري، وهو الجهاز الحكومي الذي ينظم آلية التمويل العقاري لمحدودي الدخل، فالحد الأدنى لدخل المتقدم لأقل وحدة سعرًا هو 14 ألف جنيه، وحسب بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك، هذه أسر من الشريحة الأكثر فقرًا، ولكن مطلوب من الأسرة سداد مقدم، قيمته تساوى ضعف دخلها السنوي، مما يعجز عنه الكثير من الفقراء لعدم قدرتهم على الإدخار. أما وحدات مبادرة البنك المركزي، وهي 10 آلاف وحدة فقط، فنسبة الوحدات ذات الـ 75 ألف جنيه صغيرة.

يمثل برنامج الإسكان الاجتماعي حاليًا المشروع الرئيس، حيث أعلنت وزارة الإسكان عن تسليم أول مرحلة منه والمكونة من 50 ألف وحدة بداية من يونيو القادم. فأسعار وحدات الإسكان الاجتماعي قد تتراوح بين 110 إلى 130 ألف جنيه، وحسب تصريح وزير الإسكان الدكتور مصطفى مدبولى، أقل قسط سيكون 480 جنيه شهريًا، مما يعني أن الأسر المؤهلة يجب أن تكون على الأقل ذات دخل شهري بقيمة 1920 جنيه، وهذا حسب شروط التمويل العقاري. فإذا راجعنا هذا الدخل بإحصاءات بحث الدخل والإنفاق، يتضح أن نصف المصريين، وهم النصف الأقل دخلًا، محرومون من هذا البرنامج، الذى وصلت تكلفته حتى الآن إلى نحو 8.7 مليار جنيه من الإنفاق العام.

أما بخصوص مشروع أرابتك فلم يتم إعلان أسعار وحداته بعد، ولكن من المرجح أن تكون أكثر ارتفاعًا من أسعار وحدات الإسكان الاجتماعي، حيث أن الأرض التي سيتم بناء المشروع عليها هي المكوِّن الوحيد المدعوم، فيما أن وحدات وزارة الإسكان يتم دعم سعر بنائها بالإضافة إلى الأرض.

فكيف انقلبت الموازين وأصبحت الشقق المدعومة خارج نطاق الفقراء؟

السبب ببساطة أن التعريف القانوني لمحدودي الدخل، قد تم تحديده طبقًا لأسعار الشقق المطروحة للبيع، وهى أسعار مرتفعة، وليس طبقًا للحالة الاجتماعية للمتقدمين، وهو من غير المنطقي فى مشروع له بعد اجتماعي. ولكن هناك فرصة لتغيير ذلك الوضع لكي توفي الحكومة بوعودها الخاصة بالعدالة الاجتماعية وعدم توجيه الدعم لغير مستحقيه، والأهم، تحقيق مسئوليتها في إتاحة المسكن الملائم لجميع مواطنيها حسب نص المادة 78 بدستورنا الجديد.

فمن المخطط أن نسبة ـ غير محددة بعد ـ من وحدات الإسكان الاجتماعي سيتم توفيرها عن طريق الإيجار، ولكن لم يتم تخصيص أى وحدات ستأجر بعد. فالفرصة لا زالت أمام وزير الإسكان لتعديل الخطة حتى تصبح الغالبية العظمى من وحدات المشروع بالإيجار، ويتم توجيهها للفقراء والأكثر فقرًا، والذين يمثلون 40% من المصريين، عن طريق الإيجار بقيم تناسب شرائح الفقراء المختلفة.

المكسب الوحيد العائد على الدولة من طرح شقق الإسكان بنظام التمليك هو استعادة التكاليف، ولكن طرح الشقق بالإيجار له أكثر من مكسب. فبالإضافة إلى انتفاع الفقراء من الوحدات، فهناك نفع لمتوسطي الدخل أيضًا، حيث سيساهم طرح عدد هائل من الوحدات بالسوق بإيجار منخفض، في استقرار أسعار وحدات التمليك وأسعار مواد البناء، أو ربما انخفاضها، مما سيساهم فى الحد من التعدي على الأراضي الزراعية، حيث أن المساكن غير الرسمية تجتذب الفقراء لأن أسعارها أقل من نظيراتها الرسمية، بما فيها إسكان الحكومة المدعوم. كما أن وحدات الإيجار تعطى مرونة فى تنقل الأسر العاملة حسب تغير مصدر رزقها، مما يساهم فى حل أزمة السكن من البعد الجغرافي أيضًا.

شارك في النقاش:

Loading Disqus Comments ...
Loading Facebook Comments ...