الى عمال البناء …

بقلم  |  بدون تعليقات

بقلم. عبد الله أيت حسين – الرباط :

مهنة من لا مهنة له، وملاذ من لا كفاءة ولا شهادة عنده إلا عضلاته وبنيته الجسمية وقوة صبره وجلده، أولئك الذين يهرعون إليها ويلوذون بالفرار إليها، لا يفعلون ذلك إلا اضطرارا أو لأنهم لا يتقنون عملا آخر ولا يحترفون مهنة أخرى، وليس حبا فيها. عمال البناء، ولو أن أيديهم تفقد نعومتها فتصبح كقطعة خشبية خشنة مليئة بالشقوق والتجويفات ووجوههم من كثرة تعرضها للشمس طوال النهار تكسب لونا برونزيا، هم أكثر الرجال حظا في هذا العالم، الذين لا تطمح المرأة إلى مزاحمتهم في ميدان عملهم ولا تسعى إلى غزوهم في هذه الساحة التي تبقى حكرا عليهم.

حين تستيقظ في الصباح الباكر لا تلتقي في الطريق إلا بهم، بهيئاتهم التي طبعها الزمن بطابعه ومشيتهم التي لا تخفى على أحد، هؤلاء المقهورون والمنبوذون الذين لفظتهم الحياة وألقت بهم في الهامش. لا يعمر الطرقات في الصباح الباكر إلا الكادحين، العمال البسطاء، عمال البناء المترزقين بعضلاتهم وأجسادهم. البعض منهم تحمله رجلاه إلى مقر العمل والبعض الآخر يركبون دراجاتهم التي أكل الدهر منها وشرب، وهناك من تقلهم سيارات مشغليهم وأرباب عملهم. تمر بهم في الصباح يعملون، وحين تمر بهم قبل غروب الشمس تجدهم لازالوا يكدون ويكدحون، ترى لماذا يفعلون كل ذلك بأنفسهم ويرهقون أجسادهم كل هذا الإرهاق من أجل بعض الدريهمات لا تساوي ساعة واحدة من العمل تحت شمس الصيف الحارقة أو برد الشتاء القارص؟ إنها لقمة العيش، انه الصراع مع الحياة لأجل البقاء، العمل من أجل العيش لا أقل ولا أكثر.
آمال هؤلاء العمال الكادحين تنتهي عند تحقيق الكفاية وربما الكفاف بالنسبة للبعض ممن يعيلون أسرا متعددة الأفراد، إنهم يبنون ويشيدون تلك العمارات والشقق والمنازل ليسكنها غيرهم، إنهم يقيمون أوتادها ويرفعون أعمدتها ليقيم فيها غيرهم ويقطنها أناس آخرون، أما هم فلا يفكرون في بناء سكن لأنفسهم كالذي يبنونه لغيرهم. إنها سنة الحياة، البعض يجوع ليأكل البعض الآخر، والبعض يبني ليقطن ويسكن البعض الآخر. الذين اعتادوا الإفطار بالعصائر والحلويات ويعملون تحت المكيفات ورفقة كؤوس القهوة والشاي لا يعرفون البكور، ينامون إلى ما بعد الثامنة ولا يصلون إلى مقر العمل في الوقت المناسب إلا من رحم ربك. كم يحزنني فعلا أن أرى منظر هؤلاء العمال المقهورين والمستضعفين، على الرغم من أعمالهم الجليلة ودورهم الفاعل في المجتمع، يملأون الطرقات في الساعات الأولى من كل يوم، ولا يلبسون من الثياب إلا القادرة منها على مقاومة الاحتكاك بالخشب والمسامير والاسمنت… بينما غيرهم ممن يتأنقون ويتعطرون ويرتدون أفخر الثياب يغطون في نوم عميق في ذلك الوقت وهناك سيارات في انتظارهم قرب أبواب منازلهم لتحملهم إلى أماكن عملهم ويومي السبت والأحد لا يعملون.

يجب أن نشكر هؤلاء العمال على أنهم قبلوا ورضوا بأن يكونوا عمال بناء، ولم يهزوا أكتافهم استهزاء وترفعا كما هو شأن الكثيرين منا، وإلا لولاهم لما كان بالإمكان أن نتصور الحياة على ما هي عليه الآن، ولما كانت هناك حاجة لصنع المفروشات وكل الأثاث والأجهزة الالكترونية التي تمتلئ بها بيوتنا، ولكان النجار والصباغ والرصاص والمهندس المعماري وكثير من المهنيين والحرفيين في إجازة دائمة عن العمل، لأن أعمال هؤلاء جميعا وغيرهم تبدأ فقط بعد انتهاء عمل عمال البناء أو تكون بالموازاة مع عملهم، ولنا أن نتصور فداحة الخطأ الذي نرتكبه حين نحتقر عامل البناء والخطر الذي يتهدد الكثيرين جراء انتقاصهم من قيمة عامل البناء والتقليل من شأن العمل الذي يزاوله ويقوم به.

الناس يتحدثون عن المهندس الذي هندس بالقلم والمسطرة وخطط بعقله، لكنهم ينسون القوة التنفيذية التي ترجمت ما يجول في خاطر المهندس المعماري إلى عمل وبنيان قائم على أرض الواقع، فإذا كان المهندس منظرا فان عمال البناء يطبقون وينفذون، وان كانوا لا يستطيعون أن يقوموا بعمل المهندس ولا أن يحلوا محله، فان هذا الأخير لا يملك من موهبة العمال ما يستطيع به أن يقوم بعملهم كذلك. ولكننا مع ذلك نراهم يعاملون معاملة لا تليق بمقامهم ولا ينالون من الاحترام والتقدير ما يستحقونه وما هم أهل له لقاء الخدمة العظيمة التي يتفضلون بها علينا.

أنا شخصيا لا أتمنى أن يسوقني القدر ويرمي بي في إحدى أوراش البناء أخلط الاسمنت بالرمل، وأحمل الطوب على الأكتاف، وأنزع المسامير من الأخشاب، وأستجيب لطلبات البناء، وأفعل كل ما يفعله هؤلاء المقهورون والمأسوف لحالهم وأوضاعهم. ولكني لا أرفض أن أكون عامل بناء لاحتقاري لهذا العمل أو لأنه لا نفع فيه، بل هو عمل شريف يمارس في وضح الشمس وأشرف من الاتجار في المخدرات وتلقي الرشاوي وسرقة أموال الناس بربطات العنق وابتزازهم بالكراسي والمناصب، وإنما لأني لا أطيقه ولن أقدر على الاستمرار فيه طويلا، قد أمارسه أياما إذا اقتضتني اليه الضرورة والحاجة إلا أني لا أحسنه وأرى أنني سأحسن صنعا لو كنت في مكان آخر.

ما هو حجم الفارق بين عامل البناء البسيط، الذي يعمل طوال النهار ويأكل بشراهة، لحاجته إلى الطاقة، وبيدين نصف مغسولتين أو ينقلهما من العمل مباشرة، وهما مليئتان بالاسمنت والرمل، إلى الصحن الذي يأكل فيه، وبين الشاب الوسيم الذي استيقظ في منتصف النهار وهو يقف الآن في زاوية الشارع كعارض أزياء، تفوح منه رائحة عطر جميل، ورأسه يلمع سوادا من كثرة الدهن الذي تشبع به شعره، ووجهه كوجه فتاة جميلة لا يظهر عليه أثر لزغبة شعر واحدة، والسلسلة التي يلفها حول عنقه والأخرى التي يلبسها يده اليمنى، والثياب الناعمة والرقيقة التي يرتديها… كل ذلك يفسر شيئا واحدا، وهو أن المكان الوحيد الذي يليق بهذا الشاب الوسيم وأمثاله أن يتواجدوا فيه،هو أمام ذلك العمود الكهربائي الذي يستند اليه يرقبون الغاديات والرائحات ويرشقونهن بالألفاظ الساقطة والمبتذلة. عامل البناء البسيط أفضل عندي، وان كانت يداه خشنتان ووجهه برونزيا وثيابه رثة، وأتعاطف معه أكثر من تعاطفي مع ذلك الشاب مهما أعجبني منظره، لأن هذا الشاب أقرب إلى طباع النساء منه إلى طباع الرجال، ولأنه كل على نفسه وعلى غيره وعالة على مجتمعه، لا نفع فيه، بل ربما يضر نفسه ويؤدي غيره.

فإلى كل عمال البناء الذين لا يسمع أحد صوتهم ولا يتكلم باسمهم انس ولا جان، الذين لا يتوقفون عن العمل في الصيف والشتاء، ومتى توقفوا أو مرضوا أو استراحوا أو ذهبوا لإسعاد أبنائهم وعائلاتهم في الأعياد والمناسبات، لا يكسبون قرشا ولا يتقاضون أجرا، فكلما قعدوا عن العمل أفلسوا، ليس من حقهم أن يأخذوا عطلة ولا إجازة وكأن حظهم في هذه الحياة أن يتحولوا إلى طواحين لا تنتج دقيقا إلا إذا أطعمتها قمحا وشعيرا. إلى كل هؤلاء المسحوقين الذين تدوسهم أرجل المحتقرين والمستهزئين، نرفع القبعات تحية، ونقول بحب وإجلال وإكبار: أنتم الرجال لا غيركم، أنتم الأكف والسواعد، أنتم البنيان وأنتم الأعمدة وأنتم القاعدة. أنتم كل شيء، وان كنتم في نظر الذين يستأثرون بكل شيء، لا شيء.

شارك في النقاش:

Loading Disqus Comments ...
Loading Facebook Comments ...