(المعماري مكية..تحليل للسيرة والفكر والمنجز) .. كتاب لـ علي ثويني - بــُـنــاة

مقالات فى العمران

(المعماري مكية..تحليل للسيرة والفكر والمنجز) .. كتاب لـ علي ثويني

بقلم  | 

بقلم. د.معمار علي ثويني – ستوكهولم:

صدر لنا عن دار ميزوبوتاميا في بغدادعام 2013 كتاب (المعماري محمد صالح مكية ..تحليل للسيرة والفكر والمنجز)، بحلة أنيقة وصور مرفقة وعدد صفحاته 434، وهو سفر موسوعي يتطرق الى شجون العمارة والفكر والتاريخ والمجتمع والنفس المرافقة لسيرة الدكتور مكية.
فثمة حيرة وحيطة ، تكتنف من يكتب عن سيرة قامة ثقافية ورجل منجز واسم علم ، وقد أقترب سنّهُ من القرن ،حافل بالذكريات والتجارب والخواطر ، وشاهد عيان على تغيرات وطفرات، حدثت في الأمكنة والأزمنة. فقد وصل بين بدايتي القرن العشرين والواحد والعشرين وواصل بين كفتي أرجوحة حضارية ، شوطها يمتد بين بغداد الخربة بعد سبعة قرون عجاف، ولندن المتلئلئة المنتشية والمتعافية. وأمست سيرة عمّره ومسيرة حياته ،كأنه لم يعش قرن بل عشرة قرون بحسب كم وكيف المتغيرات .والدكتور محمد صالح مَكّيه(م: بغداد 15 يناير 1914) ليس معمراً بالشكل التقليدي، أو أنه هرم عاش في قرية نائية ببلاد منسية، بل هو وريث حضاري يوحي بإنتقالات مدد سومر حتى بغداد بعد دهور، فعاش وأختلط مع طبقات المجتمعات ورموز بشرية ،نخب منهم ودهماء، وأنتمى لرعيل عنقائي جاهد وبنى ،ونفض غبار الإهمال والإنزواء والتهميش والجهل الى لعب دور فيما يخطه الإنسان لمصيره.

mekkia

درس مَكّيه وعمل في أرقى جامعات الدنيا وعاش في أجمل مدنها وعاش بلندن وليفربول سنين زهوها ومحنتها،وعمل في ألعُراق إبان سنين إحتقانه ورخاءه، ولمس الصراعات الظاهرة والظامرة في كنفه التي لم تنتهي كل مرة، وشرع في مشروعه الخليجي حينما كان مازالت صحراء تذري بها الرمال، ومازال يؤمها العربان والبعران، وشهد على نهضة عمان ، ودخلها حينما كان في البلاد عرض البلاد وطولها مدرستين ومشفيين وشوارعها المرصوفة بالقار لاتتعدى عشرات الكيلومترات، وشهد على بنيتها الجديدة، وشارك بها وحمل مناقب إبداعية مخلصا لضميره ومبادئه في العمران والعَمارة والفنون، التي تبقى دالة الإرتقاء بالحس وفرز الحضارة عن الهمجية. وبالنتيجة يشهد له كم منجزه ونوع إبداعاته في بلدان ومدن عدة مثل بغداد ومكة والرياض والكويت ودبي ومسقط والمنامة وتونس وإسلام آباد وروما ولندن وغيرها ، وهي تتحدث عن نفسها وتنعت المشاركة الفاعلة والواعية.

بقدر ما يكون الأمر مثقل بالأهمية ويثار حوله لغط، فإنه يكتسي طابع الحيرة والحساسية، ويتردد المرء حينما يبدي الرأي . فالكتابة عن رمز ثقافي ورائد معماري بقامة مَكّيه يحتاج الى تأني وحيطة وإطلاع وأناة ومراجعة وتقصي وتحليل وإستنتاج ،يتعدى إختصاصه كمعمار وبنّاء،و يطأ شجون التأريخ والمجتمع والنفس والسياسة في خضم حيثيات حياة مَكّيه الحافلة بالتغيير والمغامرة. ومن جراء معرفتنا بالدكتور التي وطأت حوالي العشرين عام .لم ألتق الدكتور مَكّيه كقرين عمر وشريك عقلية ورفيق دراسة أو عمل ، “بالرغم من فارق السن وبون السيرة والمصير”، لكني وجدت به الظالة وسر السيرة،و وجدت به دائما أستاذا وابا وصديقا متلطفا رؤوم ورحيم ، والأهم متواضع الى أبعد الحدود،وهذه صفة العظام من عباده، دون مراجعة أو مبالغة.

وجدت في سيرة وذات المعمار مَكّيه القرب مما أحمله وجرى لي، فقد تغربت مبكرا مثله، بعد الدراسة الثانوية،أي بعمر 18 عام. وتحملت وزر الغربة مجبورا لامجبولا ، حتى أصبحت مكرهاً، قدري. وتبعت مثل مَكّيه للطبقة الوسطة ،ولم أكن ذو جاه أو نسب خيلائي،ولم أعيش بترف ،فولدت مثلما مَكّيه من عائلة مهاجرة الى بغداد، وحملنا العقلية البغدادية، ومكثنا نشرأب شغوفين بثقافة أهلنا القادمين من جنوب العاصمة ، بعدما كانت يباس وكادت أن تخلو من الناس ،وتدرس مثل بابل وأور وسامراء، وذلك بعد طوفان وطاعون داود باشا عام 1831م.
ربما حفزنا غضاضة في وجاهة وبيوتات “نسب” ، في مشروع بناء حسب، وحث هواجس الطموح ونشط حالة الإبداع بالنسبة للدكتور مَكّيه. وإشتركنا في شغفنا بأهلنا وإشتياقنا لبيئتنا الأولى. بيد أن ذلك الأمر كان حافزا كافياً للإرتقاء والطموح والخشية من التماهل أو الإنحراف. وغير ذلك أننا “معشر المعماريين” نحمل “حمية الصنف” على بعضنا إذا لم نتنافس في الرزق،ووجدت نفسي دائما قريباً من مَكّيه،ومتفهم ما يفكر أو يعمل،ونحمل كلينا إنشغالات مشتركة،وربما أذواق متقاربة .

كتابي ليس سيرة ذاتية لمَكّيه الإنسان والمفكر أو سبر لتجربته المعمارية كما يريد أو يظن البعض، بل هو سرد شامل يتضمن شجون كما منهج”الأمالي” في التراث الإسلامي
وفي إطار التبني لطروحات بعينها، لم أجد فارق بين ما يطرحه مكيه وأذهب إليه، حتى أكاد أن تختلط لدي الأمور أحياناً، فهل قناعاتي متأتية من فطرتي وتجربتي الذاتية أم مما ناقشته مع مَكّيه؟،وأستطاع من حواراتنا أن يوصل رسالته من خلالي، وهذا ماكان يؤكده في كل جلسة تجمعني به، من أننا أجيال نتواصل ونرتقي ونحمل شيفرات تجارب وآراء وقناعات. وأجزم أن مَكّيه لعب دور الأستاذ المثالي ،وكم أتمنى أن أكون المريد المثالي، فقد ملئ بعض الفراغات التي تخللت تجربتي المتواضعة ولاسيما في الوطن المفتقد، أو كمل بعض ماكان ينقصني من حجة، أو شجع فيَّ النزعة النقدية التي أجدها الأقرب الى منحاي وسجيتي.

كتابي ليس سيرة ذاتية لمَكّيه الإنسان والمفكر أو سبر لتجربته المعمارية كما يريد أو يظن البعض، بل هو سرد شامل يتضمن شجون كما منهج”الأمالي” في التراث الإسلامي ، والذي محفزه كم ما يحمل الإنسان من تراكم متعدد المصادر ومشتت الشجون، تخذله الحروف وتنكسر اللغة في سرد مفتوح، نروم من خلاله تسجل شهادة لاتشترط الحضور والتباهي، ليكون سجل أيامنا لقادم الأيام. وقد أقتفيت “قدر إستطاعتي” المنهج التحليلي، إيمانا مني بان السبب يسبق النتيجة، و العلة تسبق المعلول، فلا يمكن أن يصبح أي منا على ماهو عليه إلا لدوافع شتى الداخلي منها والخارجي ، الاصلي والمكتسب، و جدير بسبرها وتحليلها والتصريح بها في لحظة صدق مع النفس. وإلا مكثنا في حالة من المكابرة والتزويق و التلفيق.لقد أخترت كلمة (تحليل) لطرقه في سياقات عدة، وعسى أكون قد أصبت فيما ظننته،وربما هو بداية لمنهج (تحليل الخطاب) الذي عم اللغة، لكنه لم يخترق العمارة التي تحتاج إلى عين المنهج، كونها لغة كذلك،وفي ذلك سرد آخر.

لقد تسلسلت من السيرة الذاتية بشجونها وتشعباتها إلى الفكر المكتسب والأصلي، ثم المنجز، الذي تضمن الكثير في التخطيط الحضري والمباني العامة والمساجد، التي أبدع بها أكثر من غيرها.ففي الفصل الأول طرقت سيرة مكية وعلاقته بالسياسة والمجتمع والمقاربة والمقاربة بينه وبين المعمار رفعت الجادرجي، وفي الفصل الثاني طرقت علاقة مكية بالتراث ومنحاه المحافظ، وفي الفصل الثالث طرقت منهجه في التصميم وضربت المثل بمساجده التي صممها في العراق والكويت ومسقط، وفي الفصل الرابع سردت سيرة مكية التنظيمية في جمعية الفنانين وجامعة وديوان الكوفة وتأسيسه أول كلية للعمارة في العراق عام 1959، التي أمست دالة للثقافة والوعي المعماري العربي، وخرجت حوالي ثلاثة آلاف معمار أثبت صفوتهم جدارة وحنكة ورسم ملامح مدرسة بغدادية مستجدة. وفي الفصل الخامس وهو فصل ما يشبه الخاتمة، عرجت على بغداد التي في خاطره و تمناها ، وما رام أن يتحقق بها بعد قرن ، بما يعني أن حلم قرني لرائد معماري بمنزلة مكية لايكفي للتحقيق ، فإنه يعكس حقيقة البؤس الذي يكتنف حياتنا ، ويؤكد أن الأمور لدينا لاتسير على مايرام،ويجب إعادة النظر بكثير من المسلمات، و نسف بعضها التي لاتحتاج إلى مكوث، من أجل أرساء قواعد سليمه للعلاقة الواعية وغير الملتبسة في كنف الثقافة الواحدة، والتي يمكن أن يبنى فوقها دون ريب أو خشية.

أقر هنا “معترفا” بأن لا يمكني إخفاء إسترسالي بوجهة نظري بين فقرات الكتاب أو حتى مبثوثة بين السطور (ربما هذا سوف لايعجب الدكتور مَكّيه)، على أن لا أقّول مَكّيه ما لم يقله أو يتبناه، وحاولت أن أفصل مسارات السرد بين ماقاله الدكتور لي في أحاديثه الطويلة معي لساعات والتي مكثت عندي مسجلة على (كاسيت) أو مصورة بأشرطة،وأنزلتها كتابيا، وأفدت ببعضها قناة (الحرة-ألعُراق)، حينما تعاونت معهم في إخراج فيلم عنوانه(منجز مَكّيه المعماري). وهنا جدير أن أشير الى أن الدكتور مَكّيه يتبع منهج الأثر وقدسية النص المنقول ،ويخشى التقويل أو التأويل الذي يلتبس معه إبليس.وهذا نابع من طبيعة إستاذي الشاكة والمدققة.

أريد أن اقول بأنني سردت بشكل أو آخر قناعاتي بما يدعوها البعض “فلسفتي” ضمن سياقات كثيرة في الفكر والنفس والتأريخ والعَمارة، بما يتعدى أن يكون (سيرة مبدع) أو (شاهد على العصر)، الى سرد “موضوعي” عن هواجس العَمارة بغرض الإرتقاء بالحياة، وطرح مهموم لهموم الوطن العُراقي المبتلى، ومترنح الثقافة العربية ، وشحة ووهن التدوين المعماري في كنفها، وبالنتيجة، حاولت جاهدا أن أطرق باب الوعي من خلال لفت النظر الى إنتباهات، ربما فاتتنا في لجة الإنبهار والدمار الذي نحن فيه، وعسى أن تكون عظة وعبرة. وهنا و”بدون غرور” اصر على أن، يبقى المعمار راصد ومتوقد الفطنة ومتنور ومنور،ومنتبه ومنبه من الغفلة والإغواء والسراب والإنزلاق إلى براثن اللا أخلاق، التي تبقى حافظة الميزان الذي دعى لها الله من خلال الأديان والفلسفات والحكمة والعقل ، لكننا تمادينا ونأينا عنها، وشطنا بعيدا،فدفعنا الثمن كل مرة باهضاً.

إن جانباً من محنة الناس تكمن فى فساد الأذواق و انحراف الطباع ، ولا يقبل الكفر إلا صاحب نفس معكوسة منكوسة، و سَوي النفس أقرب إلى الإيمان والحكمة والوعي والجمال والفن. وشيوع (الإرهاب) في مجتمعاتنا ناتج عن بيئة عمرانية ومعمارية خربة يسكنها مخربون، فعاشق الجمال لايفجر مبى، أو يسفك دما ، بل يكون شغوفا بالله وخلقه ومحبا للحياة واللون والضوء، وينأى عن الظلام والظلم. وعادة ما أردد أن العمارة تعني الإنتقال من الخراب إلى الإعمار، وتطوير ملكات الحياة من خلال المحيط المبني ، وأنبه أن الخرائب تليق بسكن المخرِبين والمخَربين (الفاعل والمفعول)، وإن النفس تعكس حسها في العمارة والفنون ، وإن العمارة تعكس ملكاتها في الحس والنفس،وترتقي بهما.

ولابد من الإقرار بإن المعمار قرين الحكيم فى اصلاح الخراب وترميم الأعطاب،وإصلاح ذات البين، وممثل المجتمع في مرام إعمار الأرض التي مكثت إحدى مقاصد الدين ، وسياقات لتوق وحنين. فالمعمار يحمل معه فلسفة فى الحياة ، اسمها جدار و رواق وشناشيل(مشربيات-رواشين) وظفت بحسب مقاصد البناء في المتانة والجمال المرهف. و يتبنى فلسفة فى القيم ، لكن يلقبونها باباً و باحة(فناء-حوش) وبادكير(ملقف) وحشد من الإصطلاح المعين والمرصود. فهو المتجمل بما يدعى المحسوس في الزخرف واللون والظل والملمس، أوملموس في ظل وارف أو ندى وخرير فسقية وسط حوش مغشى باللّبلاب، وهو الصلة المشيمية بين منتج الفكر الجماعي وتجسد الذات البناءة، و تحمل بصمات الخصوصية المبدعة، بحيث لاتشذ او تتكبر أو تتغرطس أو تملي على الجماعة رغباتها الذاتية، بل تتماهى معها وتطور واهنها وتكرس سديدها.

ولابد من الإقرار بإن المعمار قرين الحكيم فى اصلاح الخراب وترميم الأعطاب،وإصلاح ذات البين
ثمة حاجة ملحة للإحتفاء بمَكّيه بمناسبة إختيار بغداد عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2013، والإحتفاء بمرور 1250 عام من عمر بغداد التي بنت للإسلام الحضاري صرح وأسس،و التي تعاني الأمرين والخراب اليوم، وهذا لعمري تتويج يشملنا جميعا، جهات رسمية مقصرة في أدائها دائما، وشخوص وجامعات وطلاب وباحثين عرب وعراقيين يعول عليهم. وعسى أن يكون هذا عرفا، يشجعنا في سبر سيرة وفكر ومنجز كل الشخصيات التي تركت دمغة في حياتنا،.فإزدحام القامات في تأريخنا جعلنا نتعامل معها بنقيضي الإفراط والتفريط، ولم نعتن بسيرة ومنجز صناع التأريخ الحقيقيين وإبتلينا بالهامش البشري من الساسة والأفاقين والوصوليين، على حساب المتن المبادر والموهوب والمبدع ، ولله عاقبة الأمور.

وبالرغم من طول عمر مشروع التدوين عن مكية، الذي تعدى العشرية، كون الأمر أحتاج الى تحليل كل مفردة في منجز مَكّيه ولابد من جهد في جمع شتاته وتصنيفه وتوثيقه وتصويره وحفظه . ويفوتني ان أجمل آراء و استقصي البعض ممن حفظ له الود والذكرى أو الرفقة العلمية والعملية، بعدما لاقى الجميع ربهم . وهكذا و بقليل مما حصلت عليه من أرشيفه الكبير، والذي ضاع منه الكثير ،خلال عملية الإغترابات الطويلة والإنتقالات المتعددة، ثم جاءت ثالثة الأثافي حينما ألغي ديوان الكوفة عام 2006، ونقلت المحفوظات الى مخزن عمومي حرمنا من مدده، وكان من المفروض على إبنه الدكتور كنعان مَكّيه أن يسير قدما بمشروع الديوان،ويوسع من مهامه ونشاطه، ويعلن عن جائزة دورية مثلما (الأغا خان) مثلاً،وينشر مطبوعا دوريا، ولكنه أنشغل بالسياسة والصفقات الكسبية، والعلاقات الملتوية النائية عما كان يرتجى منه ويعول عليه، وهي مثلبة عليه للأسف، رغم ما أبداه من جهد في نقد سلطة البعث الساقطة.
املنا أن يكون أرشيف مَكّيه مشاعا بيد باحثي المستقبل، بعدما تحول اليوم الى مؤسسة (الأغا خان) التي تبرع لها مَكّيه بتركته القرنية، ونتمنى ان يكون الأغا خان مؤتمن على ذلك الكنز. ولا نريد أن نقارن بين ما فعله إبنه كنعان صاحب مؤسسة (الذاكرة ألعُراقية)،حينما نقل “ويقال باع” الأرشيف ألعُراقي الرسمي الى جهات أمريكية، وهذا يحرمنا عن حقائق تخصنا، ولاسيما أن تأريخنا مترع بإملاءات الباحثين الغربيين الذي غلبونا أرشيفيا دائما، وتفرقنا عنهم عقليتهم”الأرشيفية”، وتسنى لهم من جراء ذلك كتابة تأريخنا مثلما يروق لهم، وما يملي علينا توجهنا ، ويجعلنا صاغرين لما دبج بعناية،ومتقمصين لـ(عقدة الخواجة) الدونية بنموذجية، وهو ما سوف يؤخر دون ريب مشروع إنعتاقنا وإرتقائنا المرتجى.

مكية -الغلاف

إن توثيق كل ذلك الكم والكيف من المحفوظات في مكتبة مَكّيه اللندني والبغدادي والخليجي، يفوق قدرتي وحيلتي وأنا القابع في منفاي الطوعي، أدون من شعور بحاجة في إثراء الحالة التدوينية في الثقافة المعمارية، وأعلن مشاركة ولو رمزية في الكتابة عن قامة إبداعية ،يمكن ان يكون حافر لتكوين مركز بحوث معمارية أو كلية معمارية مستقبلية تحمل اسم الدكتور مَكّيه،تختص بالعَمارة الإسلامية. ونقر هنا بأن مَكّيه لم يطلب ذلك في أي حديث معه، بما عهدته من زهد ونكران للذات ، وصدق ما يؤمن به. ويؤسف ايما أسف إن حالة المخاض التي يمر بها ألعُراق والمجتمعات العربية ،طالت،و تجعل من هؤلاء الممثلين المخلصين لثقافته مهمشين ومنسيين، في لجة التهافت المصلحي ودوخة الفوضوية و لوثة الجهل المستشري، وشيوع الخطاب الديني والطائفي والقومي العنصري المتخلف، والذي لايمثل بالامس ولا اليوم ولا الغد حقيقة الثقافة العربية و الإسلامية ، التي هي أكبر واشمل واسمى من كل ذلك.

حينما نسافر الى سويسرا سنجد أن ورقة العشر فرنكات السويسرية قد إزدانت بصورة المعمار السويسري الفرانكوفوني ليكوبوزييه(1887-1965)، بينما تعج العملات العربية بصور الملوك والرؤساء وأصحاب الحظوة والجاه، وإستثناءات من شخصيات التراث غثها وسمينها، وكثير منهم لم يقدم للبشرية امرا نافعا مثل مَكّيه ورعيله، وربما اساء منهم وطغى وتجبر،وهذه طامة كبرى حينما نمجد من لايستحق ونهمل البنائين الحقيقيين للمجتمعات، ومنهم العلماء والفنانين والمعماريين الذين أسبغو الفضل، واشاعوا نفحات الجمال في ثنايا الحياة، وشكلوا دائما الرصيد الأوفر والاثرى لإرتقاء الامم، وأمسوا دون تكريم وتطبيل مصدر فخرها وتفاضلها. و الأمر نموذجي حينما أحتفينا بشخصيات لاتستاهل ، وتركنا مبدعين مثل المعمار محمد صالح مَكّيه القرني وما يحمله عرضة للنسيان والحسرة والتأسي.

د. علي ثويني

مهندس معماري ومخطط حضري وباحث وكاتب - دكتوراة بالعمارة الإسلامية 1999 عن أطروحة عنوانها (عمارة المساجد المستقطبة للحياة الثقافية الإسلامية ). - خبير مستشار في أمانة العاصمة الرياض \ المحافظة على التراث العمراني-الرياض \ المملكة العربية السعودية.

شارك في النقاش:

Loading Disqus Comments ...
Loading Facebook Comments ...