التجربة الحياتية : كيف يتحدث العمل المعمارى مع الإنسان !

بقلم  |  3 تعليقات

بقلم. على سامى – بناة – خاص:

دعونا نتذكر ما هى العمارة بالأساس … وما هو العمل المعمارى … أنه ” تجربة حياتية ” … قد يكون تعبيراً غريباً بعض الشيئ, وقد لا يفهمه الكثيرون, وقد يفهم البعض قشرته الخارجية فقط ولا يكون إستيعابهم كامل لمعناه.

التجربة الحياتية هى التجربة التى يمر بها الإنسان … عن طريق “حواسه” – التى يستخدمها فى التواصل مع عالمه الخارجى – وأيضاً عن طريق “الوقت” الذى يقضيه خلال هذه التجربة… والتى تجعله ينفذ ” حواراً ما ” بينه وبين عالمه الخارجى نتيجته تنعكس على حالته النفسية والمزاجية والتى يتبعها إنعكاس على نوعية الأفعال التى يقوم بها لاحقاً.

ولشرح ذلك أردت أن أستعين بمجالين يتفقان فى أشياء عديدة مع العمارة , وهما السينما والموسيقى. وذلك نظراً لمرور كل الناس معمارييون متخصصون أو غيرهم بها

التجربة الحياتية فى الموسيقى.

فى الموسيقى … نرى ” التجربة الحياتية ” التى يمر بها الإنسان تستخدم الحواس, ولكن ليست كل الحواس تستخدم هنا , فقط السمع, أما النظر والشم واللمس والتذوق فليسوا بعناصر فعّالة هاهنا.

والموسيقار المتمكن دائماً يبنى عمله واضعاً فى إعتباره ما هى النتيجة التى ينتظرها من مستمعيه, ما هو الوضع النفسى الذى يريدهم أن يصلوا إليه أو ما يسمى “الرسالة”, ومن النتيجة المرغوبة يبدأ فى إستخدام الأدوات المناسبة لها, وببساطة فإننا لذلك لا يمكننا أن نتقبل أحمد عدوية وهو يغنى أغنية “أهواك” لعبد الحليم حافظ, أو شعبان عبد الرحيم يغنيها بإيقاعه الشهير ويختتمها بتيمته الشهيرة ( وهيييييه ) !!. ولكن هذا لو كنا نريد منها أن تكون رومانسية, أما إذا كان مستمع ما يريد من تجربة إستماعه الرقص والفرح ( حالة مزاجية ) قد نجد من يستمع لها ويعجب بها .. وقد يكون بالأساس لم يحب الإستماع لها من عبد الحليم حافظ. ولكن لا تزال ليست هى أفضل الأعمال لنقل هذه الحالة المزاجية , لأن الكلمات هى أداة من أدوات النقل ولم تستخدم بالشكل الأمثل.

ولأنه يتعامل مع حاسة السمع لدي الإنسان, فنجد الموسيقار يستخدم أدواته السمعية لنقل ما يريده من الرسائل , فمثلاً الإيقاعات السريعة للحث على “النشاط” , وفى حالة أنه يريد من هذا النشاط أن يعكس “الفرح” يستخدم تقسيمات الطبول للحث على الرقص والذى يولد “الفرح” لدى الإنسان, أو قد يجعلها أكثر صرامة وقوة وأقل سرعة نسبياً لينقل الشعور “بالإصرار والعزيمة” مثلاً فى الأغاني الوطنية, أو فى وضع أخر يستخدم الإيقاعات الهادئة التى تساعد على “الإسترخاء” فى حال مثلاً أراد نقل رسالة “رومانسية” , ويستخدم الناى – بما فيه من حدة صوت يشعرك بالألم – فى حالة أن الرسالة المرغوبة كانت “الحزن”.

ولكن الموسيقى تستخدم حاسة تواصل واحدة !! فما الذى يجعلها تتشابه مع “العمارة” ولكن فن الطبخ مثلاً والذى يستخدم حاستين ” الشم والتذوق” لا يتشابه معها ؟.

أنه عنصر الوقت .. أو الزمن والذى يجعل منها تجربة, فالموسيقار مثله مثل المعمارى يحتاج لوضع سيناريو لتسلسل الأحداث ( هذا ينطبق بالطبع على الموسيقار الجيد والمعمارى الجيد فقط ) , فهو لن يقول للمستمع إفرح فيفرح , ولكنه بحاجة أن يتنقل به عبر ما يسمى ( بداية – عقدة – نهاية ) تربطهم سلسلة من الأحداث التصاعدية أو التنازلية ( نشاط أو هدوء ) تمكن المستمع فى نهاية الأمر أن يخرج من التجربة بالرسالة المراد نقلها له.

المقاطع الموسيقية فى السيمفونية الخامسة والنسبة الذهبية

ومن المثير للدهشة أن نجد الكثير من أشهر الموسيقيين فى العالم أمثال بيتهوفن وموزار يستخدمون النسبة الذهبية فى موسيقاهم , مثلهم مثل المعماريين الأوائل تماماً , ولكن بدلاً من تكوين أشكال كانوا يستخدمونها فى تكون المقاطع والجمل الموسيقية مثلما تم رصده فى المقطوعة الخامسة لبيتهوفن على سبيل المثال. فهم لا يعرفون سرها مثلنا جميعاً ولكنهم ميقنون من تأثيرها المذهل على الإنسان المستمع فى حالة الموسيقى أو المستخدم فى حالة العمارة من راحة ونتاغم يدفعانه للإندماج السلس مع عملهم.

 

السينما أقرب الفنون للعمارة

لقد ذكرنا أن الموسيقى تستخدم “حاسة السمع” + “الوقت” فى إنشاء “التجربة الحياتية” الخاصة بها, لذلك نقول أن السينما أقرب إلى العمارة .. وذلك لأنها تستخدم “حاسة النظر” زيادة عليها. بل إننا نجد الموسيقى تتحول إلى أداة من أدوات المخرج السينمائى بالإضافة إلى الحوار والمؤثرات الصوتية فى إستغلاله للحاسة السمعية للإنسان فى إيصال رسالته.

ولكن ما يجعل السينما أقرب إلى العمارة هو إستخدامه “لحاسة النظر” كأداة أساسية وهامة فى تكوين تجربته … وتتضمن الأدوات المستخدمة للتأثير على هذه الحاسة ( القوالب ( forms ) , الإضاءة “الظل والنور”, الألوان, الملمس ( texture ) ) وهى الأدوات التى تميزها العين البشرية وتتواصل من خلالها مع ما حولها. ولذلك ليس بغريباً إستعانة المخرجين بمصممى المناظر والديكور والمنسقين فى تكوين الصورة التى يريدون.

ولكن لعل السينما أسهل من العمارة , فالمخرج السينمائى يهتم فقط بكادر الصورة التى يريد أن ينقلها, صورة محددة المقاس ثنائية الأبعاد, وكل ما هو خارجها لا يحتاج لتصميم أو “إخراج” … بينما المعمارى يتعامل مع فراغات ثلاثية الأبعاد يقف الإنسان وسطها , فتكون التفاصيل الواجب مراعتها أكثر بكثير.

 

المرونة فى تكوين الصورة عند المخرجين فى العمل السينمائى

وليس هذا فقط الإختلاف الوحيد .. فعنصر الوقت بمتغيراته تحت سيطرة المخرج بشكل كامل , متى يريد نهار ومتى يريد ليل … ما هو تسلسل الاحداث , وما هو الوقت الزمنى الذى يقضيه المشاهد فى المشاهدة .. حتى المشهد قد يعيده مرة وإثنان وثلاث حتى يرضى عنه .. المعمارى ليس بهذا الحظ.

التجربة الحياتية فى العمل المعمارى

لعل المعمارى العالمى الرائد “لويس براغان” ( Luis Barragán ) أول من تحدث عن العمارة كتجربة حياتية للإنسان فى العصر الحديث .. ولكن لم يكن هو مبتدعها بأى حال من الأحوال … ولكنه قراءها وإستشعارها فى العمارة الإسلامية للإندلس … لقد أعجبه إستخدامهم لكل حواس الإنسان فى إنشاء تجربتهم , مثلاً قصر الحمراء, فأنت تقف فى الحديقة لتشعر بهدوء وطمائنينة لا حدود لها, أنهم يستخدمون الماء كعنصر أساسى , صوته الرائع المهدئ للأعصاب ( السمع ), ودينامكية سطحه المتغير وإنعكاسات الضوء عليه, وإنعكاس المحيط الخارجى الذى يوحى بالرحابة … هذه أدوات يستحيل تجاهلها بالنسبة لهم , الحدائق وما تولده من ظلال وتناغم بصرى ( النظر ) وتلطيف للجو ( اللمس ) وحتى روائح الأزهار ( الشم ) وأضف الثمار ( التذوق ) لتدخل فى منظومة متكاملة تخاطب أحاسيسك من كل عنصر مهما كان صغيراً , لتشكل كل هذه العناصر تجربة حياتية يستحيل أن ينساها أياً كان.

 

حدائق قصر الحمراء والحواس الخمس

وقبل ذلك بكثير أيضاً .. فغير المساجد والكنائس وما إستخدمه المعمارييون الأوائل بداية من رحلة المدخل وصولاً لقلب دار العبادة مثل السلالم الصاعدة وكسر المدخل وإظلامه وسقفه القريب لتخرج منه إلى ساحات الصلاة الأرحب مثل ما نجد فى مسجد السلطان حسن على سبيل المثال .. نجد أن هذا المفهوم كان موجوداً فى المعابد الفرعونية.

معبد حتشبسوت كمثال, تبدأ رحلتك عبر سلالم عملاقة خارجية .. تنظر من بعيد لترى أعمدة عملاقة .. تتدرج بك الأحداث لتصل للداخل .. فتجد الأعمدة بدأت تصغر مرحلة بعد أخرى … وبدأ الظلام يزيد مرة بعد أخرى , أنه يستخدم الحجم والنور ( النظر ) ليجعلك تزداد “خشوع” كلما إقتربت من قدس الأقداس … إنهم مثل الإيقاع الذى يبدأ بطيئاً ثم يزداد سرعة , من النوع الذى يستخدموه فى الموسيقى التصويرية فى أفلام الرعب .. فيتبعه تسارع فى نبضات قلبك أنت شخصياً .. يتبعه خوف و رهبة حقيقية.

 

معبد حتشبسوت

التجربة الحياتية هى أمر حاسم فى أى عمل معمارى … ففى واقع الأمر هو أمر كارثى أن لا يستوعب المعمارييون والمصممون الداخلييون وحتى المخططون الحضريون مثل هذا البعد فى مهنتهم.

فى المستشفيات مثلاً الألوان القاتمة أو الساخنة لا تتناسب معها أبداً, فالمريض يحتاج للهدوء , الأماكن المغلقة والمظلمة تزيد من إكتئاب المرضى وتجعل مناعتهم ورغبتهم فى هزيمة المرض أضعف… والأماكن ذات الإضاءات الشديدة تجعلهم منتبهين أكثر مما يجب , وسوء التوزيع الوظيفى للفراغات قد تجعلهم يشعرون بالإنزعاج من الأصوات … فهل كنت تعلم أنك بتصميمك قد تكون ساهمت فى هلاك الكثير من المرضى أو إنقاذ الألاف من الأرواح !!.

أماكن العمل أيضاً كذلك , فإن التصميم المتناسب لطبيعة الوظيفة والذى يراعى التجربة الحياتية لمستخدميه من موظفين وزائرين قد يساهم فى زيادة غير محدودة فى إنتاجية وساعات العمل بالمكان, وما له من تأثير على إقتصاد الوطن.

وحتى فى البيت … هنالك إناسٌ مصابون بالأمراض النفسية بسبب بيتهم , ولن أتحدث عن المشاكل الإجتماعية, فالناس لا يشعرون بالراحة النفسية والفيزيائية فيما يفترض أن يكون بيتهم الذى يسكنوا إليه , وحتى فى حالة سوء التهوية وإستخدام مواد غير صديقة للبيئة قد تسبب فى إصاباتهم بالأمراض, وضعف حالتهم الصحية بشكل عام وما ينتج عنه من ضعف فى التعليم والإنتاج على سبيل المثال … وقد يتسبب فى موتهم !! فهل من الممكن أن تكون قد تسببت فى موت بعض الأشخاص نتيجة إهمالك فى دراسة إحتياجات النشاطات القائمة به وإحتياجات مستخدميه ؟!! سأترك لك الإجابة على هذا السؤال.

إقرأ أيضاً من نفس السلسلة:
علي سامي

مهندس معماري ومهندس تطوير أعمال ومدير تحرير بـــنــاة العمارة والبناء

شارك في النقاش:

Loading Facebook Comments ...

3 تعليقات