إعادة الاستخدام التكيفي للمبنى التاريخي ... استدامة التراث العمراني لمراكز المدن القديمة - بــُـنــاة

مقالات فى العمران

إعادة الاستخدام التكيفي للمبنى التاريخي … استدامة التراث العمراني لمراكز المدن القديمة

بقلم  | 

يعاني التراث العمراني للمدن القديمة من عوامل متعددة تعمل على اندثاره تستوجب تدخلا مستعجلا للحد منها أو آثارها. فقد أصبحت عملية التغيير والتحول السلبي في المباني التراثية والتقليدية مشكلة حضرية نتيجة للطلب المتزايد على الفعاليات الخدمية الضرورية للمجتمع والتي تشهد بدورها نقصا في كثير من المدن العربية بالتزامن مع ازدياد النمو السكاني لهذه المدن، بمقابل تنفيذ نسب قليلة من المشاريع المطلوبة لقطاعات المدن التاريخية والتراثية القديمة.

إن عملية تقليل والحد من تأثير العوامل الهادمة أو الضارة بعد تعيينها، وإعادة الاستخدام الأمثل والملائم لنوع المبنى التراثي، وإعادة تأهيل النسيج الحضري ومبانيه التراثية، وإعادة إحياء المبنى التراثي وظيفيا من خلال ما سبق أو على مستوى إعادة تدوير مواده الإنشائية في عمليات ترميم المباني الأخرى في حال القرار بإزالته، هي عمليات أساسية وحيوية لغرض استثمار التراث العمراني غير القابل للاستبدال وحمايته من الزوال والضياع .

انهيار جزء من بيت التوتنجي التراثي في مدينة الموصل القديمة

انهيار جزء من بيت التوتنجي التراثي في مدينة الموصل القديمة

عالميا، تم انجاز العديد من التجارب الناجعة في توظيف إعادة الاستخدام التكيفي (Adaptive Reuse) للمباني التراثية والتاريخية. ويمكن تعريف عملية إعادة الاستخدام التكيفي بأنه مجموعة العمليات التي تقوم بتوظيف نوع استخدام جديد لمبنى أو موقع قديم بغير الذي صمم من اجله لغرض إطالة عمره الوظيفي من خلال تكييف وملائمة أداءه لحاجات وظيفية معاصرة.

تتضمن عملية تبني نوع استخدام جديد ومحدد لمبنى تاريخي مجموعة من المعايير والمبادئ الواجب أخذها بنظر الاعتبار والتي تساهم بكفاءة في تحديد نوع الاستخدام الأفضل لمثل هذه المباني والذي يستوجب عدم التأثير سلبا على القيمة المعمارية والتراثية للمنشأ، كما يعمل على ضمان ديمومة واستمرار أداءه وعمره الوظيفي لأطول فترة ممكنة بالتوازي مع عمره الفيزياوي.

من خلال استكشاف وتحليل عدد من التجارب، يمكن اشتقاق منهجية تعتمد على تحديد مجموعة المعايير الكفوءة والمتطلبات الضرورية لعملية انتخاب الاستخدام الأفضل للمبنى التاريخي. فمن الضروري اعتماد المعايير التي تؤثر إيجابا في كفاءة وملائمة نوع الاستخدام الجديد للمبنى التاريخي وقيمه المختلفة، والتي يمكن تاليا توظيفها في حماية والحفاظ على المباني التراثية والبيئة العمرانية لمراكز المدن القديمة.

تجارب في إعادة الاستخدام التكيفي في المباني التراثية (نادي رياضي، مكاتب، مكتبة، مطعم وغيرها)

تجارب في إعادة الاستخدام التكيفي في المباني التراثية (نادي رياضي، مكاتب، مكتبة، مطعم وغيرها)

تتضمن هذه المعايير عوامل فيزياوية تتعلق بطبيعة المبنى وسماته المعمارية وخصائصه الإنشائية وموقعه ومجاوراته والمناخ المصغر وخصائص البيئة التي يقع فيها وطبيعة أداءه الوظيفي، والبنى التحتية المتوفرة في الموقع، وتقنيات بناء المبنى، ومدى إمكانية إضرار عناصر المبنى، ونوع مواد الإنهاء وتفاصيل الواجهات الخاصة بالمبنى، ومستوى التغيير على المبنى الأصل، والمسوحات الدورية المتوفرة للمبنى، ومحدودية عدد المستخدمين لإغراض إنشائية ، وعمر المبنى الفيزيائي وديمومته، وغيرها من العوامل المتعلقة بهذه الجوانب.
كما تتضمن عوامل ثقافية تتعلق بهوية المبنى وقيمته التراثية والتاريخية وخاصية روح المكان في نسيجه الحضري والحوادث التاريخية المتعلقة به وتعدد المعاني المرتبطة به نسبة إلى الطوائف والأعراق المختلفة ضمن المجتمع. وتشمل أيضا عوامل اجتماعية كطبيعة وديموغرافية المجتمع، وتوفر الكوادر الحرفية والفنية الضرورية للتغيرات البنائية وتوفر الكوادر الحرفية والفنية الضرورية للاستخدام الجديد، وقيود أصحاب الملك والإدارة، ومستوى التطور التكنولوجي والتجاري، ونوع أهداف المستثمر، ونوع أهداف المجتمع والناس ضمن المنطقة، وقابلية مشاركة الناس والمجتمع في اتخاذ القرار، ومتطلبات الراحة والترفيه للزبون والمستخدم ومدى إمكانية المبنى في دعم استمرارية المجتمع المحيط.

تتضمن أيضا عوامل اقتصادية منها إمكانية المبنى في خلق فرص مالية واقتصادية للمجتمع عند تبني الاستخدام الجديد، وإمكانية تمويل المبنى ذاتيا من خلال الاستخدام الجديد، وقوانين الإيجار المعمول بها، ومتطلبات السوق الحالية والمستقبلية، والنتائج المالية المتوقعة على المستقبل البعيد، والموازنة بين الكلف والقيمة الثقافية للمبنى. وتشمل عوامل مالية تتعلق بالتشريعات العمرانية وقوانين البناء، والقيود الزمنية والوقت المتاح وشروط المقاولات وشركات التنفيذ ومصادر التمويل المتوفرة والكلفة المطلوبة لتنفيذ التحويرات أو لإدامة تفعيل الاستخدام الجديد أو كلف صيانة المبنى المستقبلية عند الاستخدام الجديد، وعوامل تشريعية تتعلق بسياسات الحكومة المحلية ونوع الموافقات والتراخيص الرسمية وملائمة قوانين المؤسسات الحكومية الراعية.

العوامل المؤثرة على عملية اختيار الاستخدام الجديد للمبنى التراثي

العوامل المؤثرة على عملية اختيار الاستخدام الجديد للمبنى التراثي

إن إتخاذ الاختيار الخاطئ لنوع الاستخدام الجديد للمبنى التراثي بمغزل عن المعايير أعلاه قد يعمل في اغلب الأحيان على الإضرار بقيمته المعمارية ويعجل من مستوى اندثاره، كما وقد يحرم مبنى آخر قد يكون أكثر ملائمة وتقبلا لنوع الاستخدام وبكلفة اقل ومنافع أكثر. ومن خلال إجراء عملية مقارنة بين نتائج تحليلية لمباني متعددة ضمن مركز المدينة القديمة – اخذين بنظر الاعتبار المعايير المؤثرة – يمكن تحديد مدى موافقة وملائمة الاستخدام المقترح وتعيين المبنى الأفضل اقتصاديا وعمليا لتبنيه وتوظيفه.

مما سبق، يمكن استثمار المباني التاريخية بإعادة إحياءها وإطالة عمرها من خلال أدائها لوظيفة جديدة كاحتياطي ساند ومتوفر لسد الحاجة لنوع معين من المباني الخدمية وبأفضل نتائج ممكنة. وبالاستعاضة عن إنشاء المباني الهجينة المحتملة والمطلوبة لتوفير الخدمات الاجتماعية المختلفة على أطلال المباني المتهرئة بعد إزالتها ضمن قطاعات المدن القديمة، فان عملية توظيف الاستخدام التكيفي يقدم فرصة قيمة لتبني مثل هذه الوظائف وبميزانية مالية اقل وبوقت اقصر، خصوصا عند انعدام مثل هذه الموارد، إذ يمكن للمؤسسات الحكومية شراء مجموعة من المباني التراثية من خلال تحويل المصادر المالية المخصصة لإنشاء المباني الجديدة ضمن المناطق المعنية. إن المعارض والمتاحف والمكتبات ومكاتب البريد والمراكز الصحية والمؤسسات الإدارية وشركات المقاولات الهندسية والمكاتب الإنشائية قد تم توظيفها بنجاح في عدد من التجارب العالمية في الأبنية التاريخية والتراثية.

إن عملية منح القطاع الخاص فترة امتياز محددة من خلال اتفاقية تتضمن شرط إعمار وتأهيل المبنى من قبل المستخدم تحت إشراف الهيئة الحكومية ولاستخدام محدد، مقابل الانتفاع المادي من المبنى للفترة المتفق عليها، مشروطة بتسليم المبنى للجهة الحكومية بانتهائها تعتبر من إحدى أفضل الأساليب في حقل إعادة تأهيل واستخدام المباني التاريخية عالميا. وفي حال الحاجة إلى فضاءات إضافية لغرض ملائمة وتوظيف الاستخدام الجديد لمبنى تراثي معين – خصوصا في حال ضرورة تجنب إلحاق الضرر بعناصره المميزة أو هيكله وقيمته التاريخية – يمكن من خلال ضم مبنى ملاصق له (أو أكثر) تحقيق النتائج المطلوبة خصوصا عندما لا تمتلك هذه المباني المتاخمة قيمة معمارية عالية. كما يمكن دمج مجموعة مباني تقليدية متلاصقة أو جزء من نسيج تراثي لغرض توفير المساحات المطلوبة لبرنامج الاستخدام الجديد، كتحويل مجموعة مباني سكنية لموتيل أو مباني خدمية وإدارية حكومية.

 

أعادة استخدام المباني القديمة

أعادة استخدام المباني القديمة

د. عماد هاني العلاف

- دكتوراة في تكنولوجيات إستغلال التراث الثقافي. - أستاذ محاضر في قسم العمارة كلية الهندسة، جامعة الموصل - العراق.

شارك في النقاش:

Loading Disqus Comments ...
Loading Facebook Comments ...