“أفوسكاني.. روسي.. لاشياك”.. إيطاليون أضفوا سحر بلادهم على العمارة المصرية

بقلم  |  بدون تعليقات

دينا مصطفى – الأهرام – القاهرة:

“قصر المنتزه.. المرسي أبو العباس.. الأوبرا المصرية”.. أماكن مصرية ارتبط طرازها الكلاسيكي ذو الطابع الأوروبي بأسماء عباقرة المعمار في إيطاليا، فقد تأثرت العمارة في مصر ببلد السحر والجمال، فأضفت على بعض المباني الشهيرة “نكهة إيطالية” جعلتها تحف أوروبية شاهدة على طيب العلاقات بين مصر وإيطاليا.

المهندسان المعماريان بيترو أفوسكاني (Pietro Avoscani)، وماريو روسي (Mario Rossi) على رأس تلك الأسماء الشهيرة في عالم المعمار الإيطالي، حيث كلفهما الخديوي إسماعيل بوضع تصميم لدار الأوبرا المصرية، في إطار الاحتفالات بافتتاح قناة السويس في عهده، حيث كان الخديوي مهتما بالفنون ومحبا لها ولذلك سميت وقتها بـ”الأوبرا الخديوية”.

ولأن الخديوي إسماعيل كان يتطلع أن تكون مصر قطعة من أوروبا، وأن تتحول القاهرة إلى مدينة عصرية وحديثة لتصبح “باريس الشرق”، أسند لأفوسكاني وروسي مهمة بناء دار الأوبرا المصرية على غرار أوبرا لاسكالا، التى تعتبر درة معمارية بمدينة ميلانو الإيطالية.

دار الأوبرا المصرية عام 1869

دار الأوبرا المصرية عام 1869

اختار الخديوي أفوسكاني وروسي لثقته فى قدرتهم على جعلها تحفة معمارية مصرية لكن بنكهة إيطالية لا تقل عن مثيلاتها في العالم. وكذلك استعان بعدد من الرسامين والمصورين لتزيين الأوبرا وتجميلها.

أنشأ أفوسكاني وروسي أوبرا باريس المعروفة أيضا بـ”قصر غارنييه” والتى كانت المقر الرئيسي لفرقة أوبرا باريس، حيث بدت فيها الدقة الفنية والروعة المعمارية للإيطاليين.

ماريو روسي، من أكبر أسماء المعماريين الإيطاليين، حيث استطاع أن يحفر اسمه فى فن العمارة الإسلامية على وجه التحديد، فجاء إلى مصر ضمن مجموعة من المهندسين الأوروبيين الذين استقدمهم الملك فؤاد، وأقام في مصر واعتنق الإسلام عززها اندماجه الصادق فى المجتمع المصري.

تجلت عبقرية روسي بعد سنوات دراسة لتراث العمارة الإسلامية، واستطاع أن يعيد تأسيس تلك الفن بروح عصرية إيطالية جديدة تواكب الابتكارات والاحتياجات الحديثة.

بدأ المعماري الفذ في تخطيط شكل متعدد الأضلاع لمسجد المرسي أبو العباس بمحافظة الاسكندرية، واستغرق إنشاء هذا المسجد نحو 16 عاما. اختار روسي تصميمًا مشابهًا لقبة الصخرة بالقدس، امتازت بارتفاعاتها العالية المزودة بنوافذ على هيئة عقد مدبب، ثم مآذنة رشيقة الأبعاد تحاكي في تصميمها المآذن المملوكية.

مسجد المرسي أبو العباس - الإسكندرية

مسجد المرسي أبو العباس – الإسكندرية

وضع روسي اللبنات الأولى للعمارة الإسلامية الحديثة فى مصر، واستطاع روسي أن يستغل ضيق المساحات التي يتم تخصيصها لبناء مساجد دون أن يفقد المسجد عنصر الإضاءة الطبيعية.

حتى اليوم لا يزال المعماريون ينهلون من تقاليد مسجد أبو العباس وهم يشيدون المساجد الحديثة الضخمة.

وما أن انتهى روسي من تشييد هذا المسجد حتى شرع في تشييد آخر بالاسكندرية وهو مسجد محطة الرمل المعروف بمسجد القائد إبراهيم، ويعتبر من الأعمال النادرة التي مزجت بين تقاليد العمارة المملوكية وبعض العناصر الشهيرة في العمارة الأندلسية فقد جاءت عقود الواجهة على هيئة العقود الأندلسية المفصصة بينما احتفظت القبة والمئذنة والشرفات بالطابع المملوكي التقليدي.

ورغم أن مسجد القائد ابراهيم أنشئ وسط مبان عالية وكان من الوارد أن يختفي بعض الشيء عن العيون بسببها، فإن روسي تعمد أن يخفض ارتفاع المسجد حتى يستقطب الأنظار وسط هذه المباني الشاهقة، ثم فجأة ومن منتصف الجدار الشمالي الغربي ترتفع مئذنة نحيلة أنيقة وتنطلق في السماء لتشرف بهامتها على كل المباني المجاورة.

لا تخطئ العين ملاحظة مئذنة مسجد القائد إبراهيم، التي تعد بصمة تاريخية لن تنسى للمهندس المعماري روسي، وذلك لكونها فريدة فى بابها وتكوينها.

أما في القاهرة فقد ترك ماريو روسي مسجدين من تصميمه أشهرهما مسجد عمر مكرم بميدان التحرير، ويمتاز باستخدام الستائر ذات الزخارف العربية في بعض جدرانه لتوفير عنصر الإضاءة الطبيعية مع رد الاعتبار لزخرفة الأرابيسك التي حرص على استخدامها في كل عمائره.

والمسجد الثاني هو مسجد الزمالك الذي يقع على شاطئ النيل وبجوار ساقية الصاوي، وقد جعله من المساجد المعلقة التي يصعد إليها بدرجات سلم، وله واجهة فسيحة ذات عقود وأعمدة ويعتبر من الداخل أجمل بيوت الصلاة بالقاهرة.

خلف روسي – بالإضافة لأعماله المعمارية الجريئة- كوكبة من التلاميذ النابغين مثل المعماري علي خيرت، الذي وضع تصميم جامع صلاح الدين بحي المنيل وهو شبيه في تصميمه بجامع المرسي أبو العباس الذي شيده أستاذه. وشيد مهندسون آخرون من تلاميذه مساجد غاية في الجمال وروعة التصميم مثل مسجد عبدالرحمن لطفي ببورسعيد ومسجد الفولي بالمنيا ومسجد عبدالرحيم القنائي بقنا.

ولن يغفل التاريخ أشهر مصممي قصور الرئاسة في مصر.. “أنطونيو لاشياك” (Antonio Lasciac)، هذا المعماري الإيطالي صاحب المباني التي تعد “تحف أوروبية” في مصر.

صمم لاشياك قصر المنتزه الذى يعد بناية معمارية فريدة، كذلك أبرز العمارات الخديوية بشارع عماد الدين، والمبنى الرئيسي لبنك مصر في شارع محمد فريد بوسط البلد، المبنى القديم لوزارة الخارجية المصرى بميدان التحرير، وبعض القصور بالقاهرة مثل قصر الأمير يوسف كمال بالمطرية حيث استغرق إنشاؤه 6 سنوات.

جمع لاشياك في تصميمه بناء عمارات وسط البلد بين العمارة المحلية والأوروبية لتشكل “طرازا كلاسيكيا” يمثل صرحا معماريا لا مثيل له في العمارة المصرية الحديثة.

وعلى الطراز الإيطالي، بنى “لاشياك” قصر الطاهرة في أوائل القرن العشرين للأميرة أمينة نجلة الخديوي اسماعيل.. كما أعاد تصميم قصر عابدين بعد تعرضه للحرق، حيث كان مبنيًا قبل ترميمه بالخشب على غرار مبنى الأوبرا القديم.

استطاع لاشياك ببراعة استغلال المساحة الصغيرة لقصر الطاهرة في تصميم مبنى القصر بتوازن وجاذبية في الشكل. يحيط بالقصر حديقة بديعة، مكونًا علاقة متناسقة بين المبنى والطبيعة الخلابة المحيطة به.

وكان لتأسيسه من الداخل واختيار ديكوراته دور مهم في توفير الشعور بالترحاب والراحة للزائر والمقيم، حيث وزعت التحف وقطع الأثاث داخل الغرف بتناسق وجمال ينم عن ذوق رفيع.

شارك في النقاش:

Loading Disqus Comments ...
Loading Facebook Comments ...