آكَورا فوبيا مفتعلة – جريمة قتل الفضاء العام 1 - بــُـنــاة

مقالات فى العمران

آكَورا فوبيا مفتعلة – جريمة قتل الفضاء العام 1

بقلم  | 

بقلم م. مصطفى النعيمي – بغداد:

تقع اليوم أجزاء محددة من عدة مدن في منطقتنا ضمن إطار الاستهداف الممنهج، بشكل خاص في العراق حيث يتم إستهداف نقاط التلاقي البشرية في المدن بشكل مباشر. يتسبب هذا الإستهداف بفرض لحالة من الخوف من أماكن التجمع والفضاءات المفتوحة. علمياً يسمى هذا الخوف بـ(آكَورا فوبيا) وهي كلمتين إغريقيتين تعني رهاب الميدان وهو عبارة عن خوف و نوبات هلع، المصابون بهذا المرض يتجنبون الأماكن العامة وغير المعروفة كالساحات والملاعب.

وفي الحالات المتقدمة، يلزم المصابون بهذا المرض منازلهم، خوفا من الخروج منها لآنها المكان الوحيد الآمن بنظرهم . الـ(آكَورا فوبيا) هو الضد النوعي للـ(كلستروفوبيا) أو الخوف من الأماكن الضيقة كالمصاعد والباصات المزدحمة.

الفضاء الحضري العام لا يختص بوظيفة معمارية محددة كالتعليم او التسوق أو العبادة…إلخ. لكنه قد يشمل أغلبها في آن واحد. في الفضاء العام قد تأكل أو تسمع الموسيقى، قد تدرس أو تطالع، قد تشعر بالمضايقات أو تمارس انت التحرش. هو المكان الذي نحتك به مع الآخر اياً يكن. قد تكون غير مرتاحاً لمجتمعك أو حتى كارهاً له لكنك قد تعشق مدينتك من خلال الفضاء العام. إنه لوحة من أحاسيس الأفراد المتشابكة.

لأنه ليس ملكاً لأحد فهو ملك الجميع، وفقدان أسهمك في الأمكنة العامة سيفقدك حصتك في الوطن بشكل كبير. يتم إغتيال ملامحه يومياً لتمنعنا (مؤثرات) في الخفاء أو العلن من أن نتحول من (سكان) إلى (مواطنين). بدل من أن ننسج علاقاتنا على أرضية مشتركة نهبط بوعينا إلى مستوى بدائي من الدفاعات الغريزية والتوجس من كل ماهو مختلف… إغتيال هذا الوسط الحاضن لايتم بتفجير هنا أو تصفية هناك فحسب، بل يشمل سوء الإدارة و العجز في التخطيط العمراني والحضري (التخبط في تغيير خطط إستخدام أراضي منتزه الزوراء – بغداد)، أيضاً يتم بالقفز فوق الوجدان والذاكرة الجمعية للسكان و إستصغارها (حديقة غيزي بارك – إسطنبول)، طبعاً مع عدم إهمال كل التعقيدات المصاحبة لهذا "الإغتيال".

إذا ما تخلينا عن الفضاء العام مقابل أنانية المسكن والفعالية المعمارية "المحدودة" سنحول مدننا الى سجون مكتظة، لفترة ما قد تبدو الجموع مدجنة وخائفة ولكنها ستجد حتماً السبيل لوقف الكبت و الإختناق والشوق للعلاقات الانسانية عبر الفوضى … لامفر من إلتقائنا وحاجة كلٍ منا للآخر أما بالتكامل أو بالتصادم.

شارك في النقاش:

Loading Disqus Comments ...
Loading Facebook Comments ...